ثقافة وفنونحوارات ومقالاتمعرض الصور

السجانة”.. عادت الثقافة لتوقظ ذاكرة الشباب

 

 

 

 

الخرطوم/ خالد الفكي

 

في مركز شباب السجانة، لم يكن الأربعاء 15 يوليو 2026 يوماً عادياً, حيثُ كانت القاعة تستعيد شيئاً من ضجيجها القديم، والأصوات تتعالى من جديد، لا في حديث عابر، بل في فضاء يفتح أبوابه للغناء والكلمة والفكرة والموهبة. هناك، حيث اعتاد الشباب أن يجدوا مساحة لأحلامهم، عاد النشاط الثقافي ليعلن أن الحياة، رغم ما أثقلها من أوجاع، لا تزال قادرة على استعادة نبضها.

ففي أجواء حملت كثيراً من الدلالات، دُشّن النشاط الثقافي بالمركز، في خطوة تستهدف إعادة تنشيط الحراك الثقافي والشبابي بولاية الخرطوم، وإحياء الدور الذي ظلت تضطلع به مراكز الشباب باعتبارها أكثر من مجرد مبانٍ أو ساحات للأنشطة؛ إنها أماكن يلتقي فيها الشباب بأحلامهم، وتجد فيها المواهب طريقها إلى الضوء.

وشرف المناسبة البروفيسور أحمد آدم أحمد، وزير الشباب والرياضة الاتحادي، يرافقه الأمين العام للمجلس الأعلى للشباب والرياضة بولاية الخرطوم، الوزير المكلف الدكتور بابكر علي يحيى، إلى جانب الأستاذ يس محمد الحاج، مدير عام الشباب، والدكتور مجدي عبد الله، مدير عام الرياضة، والدكتور صالح أحمد الحبو، مدير صندوق دعم المناشط، وعدد من المهتمين بالشأن الثقافي والشبابي.

فعالية النشاط الثقافي

في الكلمات التي قيلت خلال المناسبة، كان واضحاً أن الثقافة لم تعد تُنظر إليها باعتبارها نشاطاً هامشياً أو فعالية تكميلية، بل بوصفها واحدة من الأدوات الأساسية لبناء الإنسان.

وأكد المتحدثون أن النشاط الثقافي يسهم في تشكيل شخصية الشباب، وترسيخ قيم الإبداع والانتماء الوطني، وفتح المنابر أمام الطاقات التي تبحث عن فرصة للتعبير عن نفسها.

فالشاب الذي يجد مساحة للغناء، أو المسرح، أو الكتابة، أو الرسم، لا يجد مجرد منصة لعرض موهبته؛ بل يجد مكاناً يشعر فيه بأنه مرئي، ومسموع، وقادر على أن يكون جزءاً من المشهد العام.

ومن هذا الفهم، أُعلن أن المرحلة المقبلة ستشهد توسعاً في البرامج والأنشطة داخل مراكز الشباب بمختلف محليات ولاية الخرطوم، في محاولة لإعادة هذه المراكز إلى قلب الحياة الاجتماعية والثقافية.

ذاكرة لا تنطفئ

وقال الدكتور بابكر علي يحيى إن المجلس الأعلى للشباب والرياضة يولي اهتماماً كبيراً بإعادة تأهيل وتفعيل مراكز الشباب، لتكون منصات حقيقية للثقافة والفنون والرياضة والعمل التطوعي.

وأكد استمرار الدعم والرعاية للبرامج التي تستهدف الشباب، مشيراً إلى أن إعادة تنشيط هذه المراكز تمثل جزءاً من جهود التعافي المجتمعي وإحياء الحركة الشبابية بولاية الخرطوم.

ففي المدن التي أنهكتها الأزمات، لا تحتاج المجتمعات إلى إعادة بناء الجدران وحدها؛ بل تحتاج أيضاً إلى إعادة بناء المساحات التي تجمع الناس، وتمنحهم فرصة لاستعادة الثقة، والتواصل، والفرح.

وهنا تحديداً، تبدو مراكز الشباب أكثر أهمية من أي وقت مضى.

من بين الركام.. يخرج الإبداع

من جانبه، أشاد البروفيسور أحمد آدم أحمد بالدور الذي تضطلع به المراكز الشبابية في صناعة الوعي وتعزيز الهوية الوطنية، مؤكداً أن وزارة الشباب والرياضة الاتحادية ستواصل دعم المبادرات الثقافية والإبداعية التي تفتح آفاقاً جديدة أمام الشباب.

وقال إن بناء المجتمع المتماسك لا يبدأ دائماً من المشاريع الكبرى؛ أحياناً يبدأ من شاب يقف على خشبة صغيرة، أو فتاة تكتشف موهبتها، أو مجموعة من الشباب يجدون مكاناً يلتقون فيه حول فكرة أو أغنية أو قصيدة.

وفي مركز شباب السجانة، كانت الفقرات الثقافية والإبداعية شاهدة على ذلك.

مواهب شابة صعدت إلى مساحة العرض، وقدمت ما لديها، فيما تابع الحضور المشهد بتفاعل كبير. لم تكن الفقرات مجرد جزء من برنامج احتفالي، بل كانت لحظة اختبار للحياة نفسها؛ هل تستطيع أن تعود؟ وهل يستطيع الشباب أن يستعيدوا مساحتهم؟

كانت الإجابة تأتي من الأصوات، ومن التصفيق، ومن الوجوه التي امتلأت بالحضور.

عودة صغيرة.. بمعنى كبير

ربما لم يكن تدشين النشاط الثقافي في مركز شباب السجانة حدثاً ضخماً بمقاييس العناوين الكبيرة، لكنه كان كبيراً في معناه.

ففي بلد أنهكته الحرب، تصبح عودة النشاط الثقافي فعلاً من أفعال المقاومة الناعمة للحزن، وتصبح مراكز الشباب مساحات لاستعادة ما فقده الناس من دفء اللقاء.

ومن السجانة، لم تكن الرسالة أن الثقافة عادت فحسب، بل إن الشباب ما زالوا هنا، وأن المواهب لم تنطفئ، وأن المدينة، مهما أثقلتها الأيام، تستطيع أن تفتح نافذة صغيرة للضوء.

وفي تلك النافذة، كان مركز شباب السجانة يقول شيئاً بسيطاً وعميقاً في آن واحد: حين يجد الشباب منبراً، تجد الحياة طريقها إلى العودة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوي محمي