خالد الفكي يكتب: “الذهب” واستعادة هيبة الدولة

من حروفي
كتب/ خالد الفكي
في خضم حرب استهدفت الاقتصاد قبل الإنسان، برز قطاع التعدين بوصفه أحد أهم خطوط الدفاع عن الدولة السودانية، ليس فقط باعتباره مورداً مالياً، وإنما ركيزة استراتيجية لإعادة بناء الاقتصاد الوطني. ومن هذا المنظور، تبدو الشركة السودانية للموارد المعدنية، بقيادة المهندس محمد طاهر، نموذجاً لمؤسسة نجحت في تجاوز تعقيدات مرحلة ما بعد الحرب، وتحويل التحديات إلى فرص.
بعيداً عن الأضواء، وبأسلوب إداري يتسم بالهدوء والبساطة، تقود الشركة قطاعاً يُعد الأكثر ثراءً بين مؤسسات الدولة، لكنه في الوقت ذاته الأكثر استهدافاً من أصحاب المصالح والطامحين إلى النفوذ. غير أن لغة الأرقام تبقى أبلغ من حملات التشكيك؛ فإنتاج بلغ 36 طناً من الذهب خلال ستة أشهر، بعائد تجاوز ملياراً و650 مليون دولار أمريكي، يؤكد أن الذهب أصبح اليوم قاطرة الصادرات السودانية في ظل تراجع النفط وتعثر قطاعات إنتاجية أخرى بفعل الحرب.
الأهم من ذلك أن الرؤية لم تعد مقتصرة على تعظيم الإيرادات، بل اتجهت نحو إحكام سيطرة الدولة على المعدن الأصفر، عبر مكافحة التهريب، وضبط الأسواق، وإصلاح بيئة الإنتاج، والتصدي لممارسات بعض الشركات التي تتحايل على القوانين بإخفاء أرباحها والتنصل من التزاماتها تجاه الدولة والمجتمع.
وتكشف المؤشرات أن السودان يقف على أعتاب مرحلة جديدة في صناعة التعدين؛ فهناك عشرات المناطق والمربعات تخضع لعمليات الاستكشاف والبحث الجيولوجي، بينما تبرز ولايات واعدة، وفي مقدمتها جنوب كردفان، بوصفها خزانات استراتيجية للإنتاج المستقبلي. وإذا اقترنت هذه الموارد بسياسات شراء مرنة من بنك السودان، وبأسعار تنافسية تحد من التهريب، فإن البلاد ستكون أقرب إلى بناء سوق ذهب وطني قادر على استبقاء القيمة المضافة داخل الاقتصاد.
ولعل ما يمنح هذه التجربة بعداً وطنياً أن الشركة لم تنشغل بتعظيم امتيازاتها، بل أسهمت في برامج العودة الطوعية، وشاركت في إعادة تأهيل مؤسسات الدولة، وقدم منسوبوها تضحيات في معركة الكرامة، لتؤكد أن المؤسسة الاقتصادية يمكن أن تكون شريكاً في معركة البناء كما كانت شريكاً في معركة الصمود.
إن الرهان الحقيقي اليوم ليس على زيادة إنتاج الذهب فحسب، بل على تحويله إلى أداة للسيادة الاقتصادية، ومصدر مستدام للتنمية، وبوابة تعيد السودان إلى مكانه الطبيعي بين كبار منتجي الذهب في العالم، تحت مظلة دولة قوية، ومؤسسات فاعلة، وإدارة تضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار.

