الأخبارتقارير

انسلاخ القُبّة والتفكيك الناعم لمليشيات آل دقلو

من حروفي

خالد الفكي سليمان

خالد الفكي

 

يشكّل انشقاق اللواء النور القُبّة مؤشراً بالغ الدلالة في مسار الصراع داخل بنية مليشيات آل دقلو، ليس فقط من زاوية الخسارة العسكرية المباشرة، بل من حيث ما يحمله من أبعاد اجتماعية وقبلية، وتداعيات نفسية عميقة على تماسك القوة. فمثل هذه الانشقاقات، حين تصدر عن قيادات ذات وزن، تتحول من حدثٍ تكتيكي إلى علامةٍ استراتيجية على تصدّع البنية الداخلية.

على المستوى المجتمعي، ينتمي الرجل إلى حواضن قبلية ذات ثقل في دارفور، ما يجعل تحوّله بمثابة إشارة تتجاوز شخصه إلى محيطه الاجتماعي، وتُقرأ كإعادة تقييم لمعادلات الولاء التقليدي. وإذا اقترن ذلك بانحيازٍ صريح أو ضمني إلى زعيم المحاميد موسى هلال، فإن المشهد يتجه نحو تشكّل محور اجتماعي-قبلي مضاد، يعيد رسم خرائط النفوذ، ويقوّض السردية التعبوية التي اعتمدت عليها المليشيا في تجنيد واستدامة مواردها البشرية.

أما عسكرياً، فإن خسارة قائد يمتلك خبرة ميدانية وشبكة علاقات داخلية متشعبة تعني أكثر من مجرد فراغ قيادي؛ فهي تُفضي إلى اهتزاز منظومة القيادة والسيطرة، واحتمالات تسرب معلومات حساسة، وتراجع في الكفاءة العملياتية. وغالباً ما تُنتج هذه التحولات بيئة من الشك وانعدام الثقة داخل الصفوف، تدفع القيادات إلى مزيد من التشدد والانغلاق، بما يفاقم الاحتقان ويُسرّع وتيرة التفكك.

وفي سياق أوسع، يمكن قراءة هذا الانسلاخ ضمن نمط “التفكيك الناعم” الذي ينشأ من داخل التنظيمات المسلحة حين تتراكم الضغوط الميدانية، وتتباين المصالح، وتتآكل الموارد. هذا النمط لا يتجلى في انهيارات صاخبة، بل في تآكل بطيء يضرب عمق البنية، ويُضعف قدرتها على التماسك وإعادة الإنتاج. وهو، من منظور استراتيجي، أكثر خطورة من الهزائم المباشرة، لأنه يقوّض الأسس التي تقوم عليها القوة.

ومع ذلك، فإن الحديث عن انهيار كامل يظل حكماً متعجلاً؛ فالتنظيمات ذات الطبيعة الشبكية تُظهر عادة قدرة على التكيّف وإعادة التموضع. غير أن استمرار الانشقاقات النوعية، وتحوّلها إلى نمط متكرر، سيقود حتماً إلى تشتيت القوة وتآكل قدرتها على المبادرة.

خلاصة القول، إن ما يجري لا يعكس لحظة سقوط نهائي، بقدر ما يشير إلى مسار تآكل تدريجي، تتسع فيه فجوات الثقة، وتُعاد خلاله صياغة موازين القوة على نحوٍ قد يفضي، في مآلاته، إلى تحولات أعمق في بنية الصراع برمّته.

 

 

Khalidfaki77@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى