الأمن المائي.. من «خدمة أساسية» إلى محرك للنمو وفرص العمل في إفريقيا

الأمن المائي.. من «خدمة أساسية» إلى محرك للنمو وفرص العمل في إفريقيا
متابعة/ أرض السودان
في قارة تواجه ضغوطًا متزايدة من شح المياه، والتغيرات المناخية، والنمو السكاني المتسارع، لم تعد قضية الأمن المائي مجرد ملف خدمي يرتبط بتوفير مياه الشرب أو تحسين شبكات الصرف الصحي، بل تحولت إلى أحد المفاتيح الرئيسية للتنمية الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي. فكلما اتسعت فجوة الحصول على المياه الآمنة، تضاعفت كلفة الفقر والمرض والبطالة، بينما يفتح الاستثمار في البنية التحتية المائية أبوابًا واسعة أمام الإنتاج، وفرص العمل، والأمن الغذائي، والقدرة على الصمود في مواجهة الأزمات.
وفي هذا السياق، أكد نائب رئيس مجموعة البنك الدولي لغرب ووسط إفريقيا، عثمان دياغانا، أن الأمن المائي يمثل أحد أهم مرتكزات التنمية الاقتصادية والاجتماعية في القارة، مشددًا على أن الاستثمار في قطاع المياه يتجاوز توفير الخدمات الأساسية ليصبح محركًا للنمو الاقتصادي، وخلق فرص العمل، وتعزيز قدرة الدول على مواجهة الأزمات والتغيرات المناخية.
وجاءت تصريحات دياغانا خلال مشاركته في أعمال المنتدى الإفريقي للمياه، المنعقد في العاصمة التشادية أنجمينا، بمشاركة عدد من رؤساء الدول والحكومات، ومسؤولي المؤسسات المالية الدولية، وشركاء التنمية من مختلف أنحاء العالم.
المياه.. استثمار في الاقتصاد
وقال دياغانا إن الأمن المائي يرتبط بصورة مباشرة بالنمو الاقتصادي، وتحسين الإنتاجية، وخلق فرص العمل، محذرًا من أن ضعف إدارة الموارد المائية يحد من قدرة الدول على جذب الاستثمارات، ويقوض مسارات التنمية المستدامة.
وأوضح أن قطاع المياه يدعم نحو مليار فرصة عمل على مستوى العالم، بينها نحو 85 مليون وظيفة في إفريقيا، موزعة على قطاعات حيوية تشمل الزراعة والطاقة والخدمات الحضرية، الأمر الذي يجعل الاستثمار في المياه أداة اقتصادية فاعلة للحد من الفقر وتحسين مستويات المعيشة.
وأضاف أن تطوير خدمات المياه لا ينعكس على الاقتصاد فحسب، بل يسهم كذلك في رفع الإنتاجية، والحد من انتشار الأمراض، وتقليل الخسائر الناجمة عن الفيضانات والجفاف، بما يحمي الاقتصادات الوطنية ويعزز استدامة فرص العمل.
تحالف دولي لقضية المياه
وأكد نائب رئيس البنك الدولي أن مؤسسات التمويل الثنائية ومتعددة الأطراف تعمل ضمن تحالف دولي لتسريع تحقيق الأمن المائي، مشيرًا إلى أن العمل الجماعي يحقق نتائج أكبر من قدرة أي مؤسسة على العمل منفردة.
وأشار إلى إطلاق منصة «المياه للجميع» (Water for All) على هامش اجتماعات الربيع لمجموعة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، بمشاركة الحكومات، ومؤسسات التمويل الدولية، والمنظمات الخيرية، والمجتمع المدني، والقطاع الخاص.
وتهدف المنصة إلى جعل المياه محورًا رئيسيًا في جهود تحقيق التنمية الاقتصادية، وخلق فرص العمل، وتعزيز قدرة المجتمعات والدول على الصمود أمام الأزمات.
وبحسب دياغانا، فإن المبادرة تسعى إلى تغيير النظرة التقليدية إلى قطاع المياه، بحيث لا يُنظر إليه باعتباره قطاعًا خدميًا فحسب، بل باعتباره ركيزة أساسية للنمو الاقتصادي والتنمية المستدامة.
أزمة الوظائف..
وشدد المسؤول الدولي على أن توفير فرص العمل يمثل أحد أكبر التحديات التي تواجه القارة الإفريقية، مؤكدًا أن الاستثمار في قطاع المياه يمكن أن يؤدي دورًا مباشرًا في معالجة هذه الأزمة، من خلال دعم الأمن الغذائي، وتحسين الصحة العامة، وتنشيط الاقتصادات المحلية.
ويرى البنك الدولي أن توسيع الاستثمار في المياه يخلق سلسلة مترابطة من الآثار الاقتصادية؛ فالمياه الآمنة تحسن الصحة، وتحسن الصحة ترفع الإنتاجية، فيما يؤدي تحسين البنية التحتية إلى دعم الزراعة والطاقة والصناعة والخدمات، بما يفتح المجال أمام وظائف جديدة ويعزز النمو المحلي.
وأكد دياغانا أن مواجهة تحديات المياه تتطلب شراكة واسعة بين الحكومات، وبنوك التنمية، والمؤسسات المالية، والقطاع الخاص، والمنظمات الخيرية، لضمان حشد الموارد اللازمة وتنفيذ الإصلاحات المطلوبة.
أكثر من مليار مستفيد
وكشف نائب رئيس مجموعة البنك الدولي أن الشركاء الدوليين تعهدوا، خلال اجتماعات عُقدت في العاصمة الكينية نيروبي، بتسريع الجهود الرامية إلى تعزيز الأمن المائي، بما يتيح تحسين الظروف المعيشية لأكثر من مليار شخص حول العالم بحلول عام 2030.
وتعكس هذه التعهدات تحولًا متزايدًا في النظرة الدولية إلى قضية المياه، من ملف يرتبط بالخدمات الأساسية إلى قضية اقتصادية وتنموية واستراتيجية، تتقاطع مع الأمن الغذائي، والصحة، والطاقة، والتوظيف، ومواجهة التغير المناخي.
وفي إفريقيا، حيث تتزايد الضغوط على الموارد المائية، تبدو المعادلة أكثر إلحاحًا: فالقارة لا تحتاج فقط إلى المزيد من المياه، بل إلى إدارة أكثر كفاءة لمواردها، واستثمارات أكبر في بنيتها التحتية، وشراكات قادرة على تحويل المياه من مصدر للأزمات إلى منصة للنمو.
معركة المستقبل
ومن هنا، فإن معركة الأمن المائي لا تبدو معركة على مورد طبيعي فحسب، بل معركة على مستقبل التنمية الإفريقية نفسها؛ إذ إن الدول التي تنجح في تأمين مواردها المائية وإدارتها بكفاءة ستكون أكثر قدرة على تحقيق النمو، وخلق فرص العمل، وحماية مجتمعاتها من صدمات المستقبل.
