الأخبارالإقتصادتقاريرمعرض الصور

من «الدفع الإلكتروني» إلى «عودة الخرطوم».. الإعيسر يرسم خريطة الإعلام في معركة بناء السودان

من «الدفع الإلكتروني» إلى «عودة الخرطوم».. الإعيسر يرسم خريطة الإعلام في معركة بناء السودان

 

 

الخرطوم/ خالد الفكي

 

 

لم يكن حديث وزير الثقافة والإعلام والآثار والسياحة، خالد علي الإعيسر، في ورشة الدفع الإلكتروني والتحول الرقمي التي نظمتها مجلة «حواس»، مجرد خطاب عن التكنولوجيا أو وسائل الدفع الحديثة. كان أقرب إلى قراءة واسعة لمرحلة سودانية جديدة، تتجاور فيها معركة إعادة بناء الاقتصاد مع معركة استعادة الدولة، ويتقدم فيها الإعلام من موقع المتابع إلى موقع الشريك في صناعة المستقبل.

 

من منصة الورشة، انتقل الإعيسر بين أكثر من مسار، لكنه ظل يعود إلى فكرة واحدة: السودان الذي خرج من الحرب لن يكون قادراً على استعادة عافيته بالوسائل القديمة وحدها، وأن إعادة البناء تحتاج إلى اقتصاد أكثر مرونة، ومؤسسات أكثر كفاءة، ومجتمع أكثر وعياً، وإعلام يدرك أن معركة الكرامة لا تنتهي بانتهاء المعارك العسكرية.

 

وقال الوزير إن التحول الرقمي والدفع الإلكتروني يمثلان «أحد أهم مفاتيح العبور نحو المستقبل»، مؤكداً أن الدفع الإلكتروني ليس مجرد وسيلة تقنية حديثة، بل جزء من منظومة متكاملة لإعادة بناء الاقتصاد وتعزيز الشمول المالي ورفع كفاءة المؤسسات وتوسيع فرص المشاركة الاقتصادية للمواطنين.

 

وفي هذا السياق، استعاد الإعيسر مبادرة ملتقى «الدفع الإلكتروني.. خطوة نحو التحول الرقمي والشمول المالي»، الذي نظمته الوزارة بالتعاون مع وكالة السودان للأنباء ومركز «شموس»، وبرعاية عضو مجلس السيادة الانتقالي الفريق مهندس إبراهيم جابر، في بورتسودان في مارس 2025، بمشاركة محافظ بنك السودان المركزي.

 

كانت الرسالة، بحسب الوزير، واضحة: الحرب، على قسوتها، لم تستطع أن تطفئ قدرة السودان على التفكير في المستقبل، ولم تمنع مؤسساته من البحث عن أدوات جديدة لإعادة بناء اقتصاد أكثر قدرة على الصمود والاستدامة.

 

 

الإعلام.. من ناقل للخبر إلى شريك في البناء

 

 

لكن الإعيسر لم يتوقف عند الاقتصاد. فقد وضع الإعلام في قلب عملية التحول الوطني، مؤكداً أن الإصلاحات الاقتصادية لا تنجح بالأدوات المالية وحدها، وأن وعي المواطن يمثل شرطاً أساسياً لأي تغيير كبير.

 

وأشار إلى مشاركة وزارة الثقافة والإعلام والآثار والسياحة في حملات التوعية المرتبطة بالإصلاحات المالية واستبدال العملة وغيرها من المبادرات الوطنية، مؤكداً أن الإعلام بات جزءاً أصيلاً من منظومة بناء الدولة وتعزيز الثقة بين المؤسسات والمجتمع.

ومن هنا جاءت إشادته بمجلة «حواس»، التي وصفها بأنها «علامة فارقة في المشهد الإعلامي، وصوت للمعرفة، ومنصة للحوار الرصين، ومرجع للخبر اليقين»، داعياً إلى بناء شراكة مستقبلية بين الوزارة والمجلة، تقوم على تكامل الأدوار وتوحيد الجهود في خدمة السودان.

 

لم تكن الإشادة بالمجلة منفصلة عن الرسالة الأوسع التي حملها حديث الوزير؛ فالإعلام، في نظره، لم يعد ترفاً مهنياً أو مجرد وسيلة لنقل الأحداث، بل أصبح إحدى الأدوات الأساسية في معركة الوعي، وإعادة صياغة صورة السودان، وحماية المجتمع من الفوضى والتضليل والانقسام.

 

«الإعلام الراشد يجدنا حلفاء»

 

وفي رسالة مباشرة إلى الصحفيين والإعلاميين، دعا الإعيسر إلى الانضباط في الخطاب الإعلامي والارتقاء بالممارسة الصحفية، مؤكداً أن الإعلام الراشد سيجد الوزارة «حليفاً وداعماً».

 

وتجاوز الوزير في حديثه حدود المناسبة، ليربط بين الصحافة ومسؤولية بناء المجتمع السوداني المتعدد، قائلاً إن التنوع العرقي والثقافي الذي يميز السودان يمثل ثروة وطنية ينبغي حمايتها وتعزيزها، داعياً الإعلام إلى أداء دوره في ترسيخ هذا التنوع باعتباره مصدر قوة لا سبباً للانقسام.

 

ومن هنا، بدا واضحاً أن الوزير ينظر إلى الإعلام بوصفه أحد جسور العبور من مرحلة الحرب إلى مرحلة الدولة؛ دولة تستعيد مؤسساتها، وتعيد بناء اقتصادها، وتستثمر في التكنولوجيا، وتعيد تعريف علاقتها بالمواطن.

 

الخرطوم.. من سماء الحرب إلى أفق العودة

 

 

وفي الجزء الأكثر تأثيراً من حديثه، خرج الإعيسر من إطار الورشة إلى المشهد الوطني الأوسع، موجهاً التحية إلى القوات المسلحة والقوات المساندة والمستنفرين، ومشيراً إلى أن عودة الخرطوم إلى الحياة تحمل رسالة تتجاوز حدود العاصمة.

فالمدينة التي كانت، بحسب وصفه، تستقبل زوارها وسط الدخان والضباب وأصوات الطائرات والقذائف، بدأت تستعيد صورتها القديمة؛ الخرطوم التي يريد السودان أن يبعث من خلالها رسالة إلى العالم بأن الحرب لم تستطع اختطاف وطن كامل.

 

وقال إن العمل الاقتصادي يمضي بالتوازي مع العمل العسكري، في إشارة إلى أن معركة استعادة الدولة لا تنتهي عند الميدان، بل تمتد إلى الاقتصاد والإعلام والخدمات والثقافة وإعادة بناء الثقة.

 

وفي هذه المعادلة، يصبح الدفع الإلكتروني أكثر من تقنية، والإعلام أكثر من مهنة، وعودة الخرطوم أكثر من حدث عمراني؛ فكلها، وفق الرؤية التي طرحها الوزير، حلقات في مشروع واحد عنوانه استعادة السودان.

من معركة الكرامة إلى معركة المستقبل

 

وفي ختام حديثه، وجّه الإعيسر التحية إلى القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان وأعضاء مجلس السيادة، ونقل تحية رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس، داعياً السودانيين إلى توحيد جهودهم لبناء وطن آمن ومستقر.

 

وبينما كانت ورشة «حواس» تناقش التحول الرقمي والدفع الإلكتروني، كان الخطاب الأوسع يرسم ملامح مرحلة جديدة: سودان يريد أن ينتقل من اقتصاد النقد إلى الاقتصاد الرقمي، ومن إعلام رد الفعل إلى إعلام المبادرة، ومن مدن الحرب إلى مدن الحياة، ومن معركة الدفاع عن الدولة إلى معركة بناء الدولة.

 

ذلك أن السودان، كما بدا من حديث الإعيسر، لا يريد فقط أن ينتصر في الحرب؛ بل يريد أن ينتصر بعدها أيضاً في معركة إعادة البناء.

 

 

وهنا يلتقي التحول الرقمي مع عودة الخرطوم، ويلتقي الإعلام مع الاقتصاد، وتلتقي معركة الكرامة بمعركة المستقبل؛ في مشروع وطني واحد، عنوانه الأبرز: أن يستعيد السودان مكانه الطبيعي، لا في الخرائط وحدها، بل في الوعي والاقتصاد والإقليم والعالم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوي محمي