ثقافة وفنونحوارات ومقالات

محمد هارون عمر يكتب: «أغنية السايق الفيت» ببوحها الوجداني!

 

 

وهج اليراع

 

 

كتب/ محمد هارون عمر

 

 

 

امتطى مبدعون صهوة سيارة من ماركة «فيت»، بغرض السياحة والترويج وإشباع رغبة روحية، من خلال عبقرية الطبيعة بالطريق المحاذي للنيل، من سنجة إلى سنار، «الدرب التحت»، المشجّر والمعشوشب والمخضوضر.

سطّرت ودوزنت تلك الرحلة سيمفونية الجمال الأزلي المخضّب المطلق، بمفردات كأيقونات الطبيعة، في شرح الصبا والغواني وجمال النفوس، حين أتيامن «الفيت» الرماش. وبعبقرية مكانها، لمح السُّمّار انسياب النهر المتألق، فقال عن المشهد البانورامي العبادي:

شق حشا الطريق وآتيامن الحلال

سكنوا الكلاب ما نالوا إلا علال

فاضلات ثواني قلال

بينك والغروب وداك مشرع الشلال

ميّل قليل على المشرع

لا تريع القطيع بتجفّل الأدرع

شوف النهر مار بخشوع تقول هجسان

زي مرّ النسيم بمقلة النعسان

من إيدي الصناعة يبعد المعلاق

انظر للطبيعة ومجّد الخلّاق

جمع القدر في تلك السيارة كوكبة من عباقرة وجهابذة فن الغناء آنذاك، في عام 1932م، في ثلاثينيات القرن الماضي؛ الشاعر الفحل إبراهيم العبادي، مبدع النص الخالد، ومعه الفنان سرور الذي كان يقود السيارة، وبجانبه المطرب الكبير الأمين برهان، والمأمور زين العابدين «كو كو»، والوجيه وسرّ تجار سنجة أمين نابري، والمثقف البنا.

ساقت الصدفة فتيات جميلات قد ورَدْنَ النيل الأزرق الرؤوم، في لحظة إطلالة السيارة وانبجاسها على الشاطئ الوسنان؛ خضرة وماء ووجه حسن، والدوح الميّاس كالعرائس، والسحاب والعباب، وقطيع الأبقار بفحلها الثور الأدرع «الأرقط»، والكلاب اللاهثة، وغبار الإطارات؛ «لوحة سريالية» كانت عوامل محرّكة لوجدان العبادي، فجادت قريحته بنص منظوم على بحر الطويل الخليلي، رغم كونه باللغة العامية المشتقة من الفصحى.

نص مترع ومفعم بالقيم الجمالية والثقافية، وموسيقى وجرس شعري جذاب وساحر ورائع. لقد أبدع العبادي نصًا مؤنسنًا يحاور الطبيعة العذراء، الغرّاء، الفرعاء، الحسناء. ألهمته «هندة» برونقها وعذوبتها ورقتها، لذا كانت بطلة النص الممسرح، فقال في مستهل القصيدة:

عد بي واخد سِنْدة

بالدرب التحت نجاة ربوع هندة

فصار كل المكان منسوبًا إليها، كأميرة لها مغانيها وديارها، وحلّت عبارة «ربوع هندة» بدلًا عن «الرماش».

همس الشاعر المتيم بنفحات الغزل العذري وتباريح الهوى المشبوب على عطر الإعجاب؛ فهو توأم وزواج بين الغيد الحسان وبهاء الطبيعة.

متيم، مندمج، معجب، لم ينسَ زين الشباب وأمين الصديق. يرنو للطبيعة ولحسن البداوة «الما لمس بدره»، لكي يقترب أكثر، وينعم بالنظر، ويتأمل الحسن. فلجأ إلى الحيلة، واقترب منهن وزعم أنه ظامئ، فقال في القصيدة:

عطشان قلت ليهم وصحت البلفة

ما نفرن تقول سابق الكلام إلفة

مافيش كاس قريب، قالن بدون كلفة

تشرب بكفوفنا حتى تتكفّى

عندئذٍ أطلت خاتمة مطاف السردية الغنائية، فتبدّت النهاية الحتمية لجمال النفوس والكرم والعطف على الغريب الظامئ إلى الماء، بل إلى كوثر العاطفة.

«السايق الفيت» أيقونة من عيون شعر حقيبة الفن. غنّتها «أولاد شمبات»، الثنائي عطا كوكو ومحمود عبد الكريم، وفي ثمانينيات القرن الماضي لحّنها وغنّاها علي إبراهيم بصورة رائعة، وهي مسجلة بصوته في الإذاعة والتلفزيون.

كنت قد اقترحت، قبل سنوات، على الأستاذ صالح الضيف، مخرج تلفزيون ولاية سنار، أن يتم تسجيل النص في فيديو كليب، على أن أقوم أنا بصياغة السيناريو، وتعهد الأستاذ صالح بدعم وتنفيذ الفكرة، ولكن تعذّر الأمر وتعثر.

وكانت المفاجأة قبل يومين، حين شاهدتُ المدام تتابع أغنية، فنادتني على عجل لأشاهد فيديو كليب أعدّته قناة النيل الأزرق عن أغنية «السايق الفيت». غنّاها عدد من الأصوات، من بينهم جمال فرفور، إلى جانب صوت مغنية.

وسيظل النص مدهشًا، مشبعًا ومقنعًا للأجيال الشابة، كأنشودة وكأيقونة رسمت ودوزنت لوحة تجسّد وتمثّل جمال الإنسان وعبقرية المكان.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوي محمي