«أصيل القابضة».. درس الحرب المفيد

من حروفي
كتب/ خالد الفكي
ليست كل قصص الحرب تُكتب بالحبر الأسود؛ فوسط الخراب الذي أصاب الصناعة السودانية، برزت تجارب حاولت تحويل المحنة إلى فرصة لإعادة بناء الإنتاج الوطني. ومن بين هذه التجارب تأتي قصة «أصيل القابضة» بقيادة مديرها العام محمد عثمان حامد، باعتبارها نموذجاً لرأس مال سوداني اختار البقاء في الداخل، وإعادة تشغيل عجلة الإنتاج في وقت كانت فيه المصانع تتوقف، ورؤوس الأموال تبحث عن مخارج آمنة.
بدأت القصة من ثلاث ماكينات جرى إنقاذها من العاصمة، قبل أن تتوسع المنظومة الصناعية في ولاية نهر النيل ومناطق أخرى إلى 11 مصنعاً في الولاية، و17 مصنعاً في أم درمان وبحري، فيما بلغ عدد الآليات المتحركة 368 آلية، وفق بيانات المجموعة. وبين نقطة البداية وهذه الأرقام، تبدو المسافة أكبر من مجرد توسع تجاري؛ إنها محاولة لإعادة بناء سلسلة إنتاج محلية في اقتصاد أنهكته الحرب وتقلبات سعر الصرف وارتفاع كلفة التشغيل.
وصل محمد عثمان حامد إلى شندي في يونيو 2023، بعد شهرين فقط من اندلاع الحرب. وهناك بدأت فكرة مصنع «فريش» في موقع صحراوي يفتقر إلى الكهرباء والمياه، قبل أن تتسع التجربة لتشمل مصانع للبلاستيك والمياه والبسكويت وتعبئة الألبان والعدس والأرز، ثم الدواجن والأعلاف والكرتون والكراسات والمطاحن.
والأهم أن الاستثمار لم يتوقف عند حدود المصنع. فالمجموعة تقول إنها توفر نحو 2800 فرصة عمل في ولاية نهر النيل، فيما تجاوزت الطاقة الإنتاجية لمشروع الدواجن 650 طناً من الفراخ، إلى جانب مشروعات زراعية تستهدف تعزيز مخزون القمح.
لكن قصة «أصيل» لا يمكن فصلها عن كلفة الحرب نفسها. فقد تعرضت أصول المجموعة للنهب والحرق، وخسرت 55 عربة تبريد، و3 سيارات لاندكروزر، و6 بكاسي، و12 شاحنة «زد إس»، و21 شاحنة «أكتروس» جرار، فضلاً عن تدمير مصنعين للكرتون والكراس.
هنا تكمن دلالة التجربة: إعادة البناء لا تبدأ دائماً من وفرة رأس المال، وإنما من القدرة على إدارة الندرة والمخاطر.
وبينما تواجه الصناعة السودانية تحديات العملة الأجنبية، والجبايات، وضعف القوة الشرائية، وكلفة التمويل والتشغيل، تطرح «أصيل» سؤالاً أوسع من تجربتها الخاصة: كيف يمكن للدولة أن تحوّل الاستثمارات الصناعية التي صمدت أثناء الحرب إلى قاطرة للتعافي الاقتصادي؟
المطلوب ليس امتيازات استثنائية، بقدر ما هو بيئة استثمار مستقرة، ومواقع صناعية مملوكة أو ميسرة، وتمويل منتج، وخفض كلفة الجبايات، وحماية سلاسل الإمداد.
فالسودان الخارج من الحرب لن تعيده المساعدات وحدها إلى دورة الإنتاج. ما يحتاجه هو مصنع يعمل، وعامل يجد وظيفة، ومنتج سوداني يحل محل المستورد، وخزينة عامة تستعيد مواردها من النشاط الاقتصادي.
وفي هذا السياق، تصبح قصة «أصيل القابضة» أكثر من حكاية شركة نجت من الحرب؛ إنها درس في أن إعادة بناء الاقتصاد تبدأ من إعادة تشغيل ماكينة الإنتاج.

