تقاريرثقافة وفنون

من جدارٍ هدمته الأمطار إلى مختبرات تينيسي الأمريكية.. قصة السوداني عيسى الذي لم يقل «لا» للعمل

 

 

متابعة/ أرض السودان

في اليوم الذي كان ينتظر فيه عيسى يحيى أحمد محمد نتيجة الشهادة السودانية، لم يكن جالساً أمام جهاز تلفزيون أو في غرفة مكيفة. كان يقف وسط الطين في المدينة عرب بولاية الجزيرة، منشغلاً ببناء جدار لحمّام.

هطلت الأمطار وأسقطت الجدار، فعاد عيسى وصديقه طه أبكر لإصلاحه. وفي ذلك اليوم من خريف عام 2000، كانت نتيجة الشهادة السودانية تُعلن في مؤتمر صحفي، بينما لم يكن عيسى يعرف أن اسمه سيصبح واحداً من أبرز أسماء ذلك الإعلان.

قبل خروجه للعمل، قال لوالده: «أبوي، الليلة النتيجة بذيعوها.. خلّيك قريب من الراديو».

ابتسم والده وقال له: «يا ولدي، الأوائل كلهم من الخرطوم.. إنتو ما بتلقوا فرقة معاهم».

لكن عيسى كان ينتظر مفاجأة مختلفة.

بعد انتهاء العمل، عاد إلى المنزل، ثم اصطحبه ابن عمه يس آدم إلى دكان العم موسى بابلي، حيث كان التلفزيون الملون يجذب أهل القرية لمتابعة إعلان النتيجة.

بدأ المذيع في قراءة أسماء الأوائل. مرّ المركز الثالث، ثم السابع، ولم يسمع عيسى اسمه. حتى جاء الإعلان:

«العاشر.. عيسى يحيى أحمد محمد».

قفز ابن عمه من مكانه، وتعالت صيحاتهما داخل الدكان، قبل أن يتجمع الناس على الباب لمعرفة ما حدث.

في السوق، كان والد عيسى يستمع إلى الراديو عندما سمع اسم ابنه. وقف وسط الناس وهتف: «دا ولدي!» ثم اشترى كيساً من البلح ووزعه على الموجودين، وعاد إلى المنزل ليجد الجيران والأصدقاء قد سبقوه إلى الاحتفال.

كانت النتيجة 95.1 في المئة.

لكن ذلك النجاح لم يبدأ في قاعات الدراسة وحدها.

منذ سنواته الأولى، اضطر عيسى إلى العمل لمساعدة أسرته، في ظل ظروف اقتصادية صعبة وتراجع النشاط الزراعي في مشروع الجزيرة. زرع ونظف البصل، وشارك في حصاده وتعبئته، وباع الباسطة والتسالي والمدمس، وجمع القش من الحواشات وباعه في السوق. كما تعلم الحباكة، وصنع الطعمية والبيض المسلوق، وتاجر في المانجو وأعد عصير الليمون للبيع.

ويقول عيسى عن تلك السنوات: «ما كنت بقول لا لأي شغلة، المهم أساعد نفسي وأهلي».

كانت تلك العبارة، أكثر من كونها وصفاً لطفولته، تلخيصاً لطريق طويل لم يكن واضحاً إلى أين يقوده.

بعد النتيجة، التحق عيسى بكلية الهندسة في جامعة الخرطوم، قسم الهندسة الكهربائية، وتخرج بمرتبة الشرف الأولى. عمل مساعد تدريس، ثم مهندساً في شركة زين، وواصل دراسته حتى حصل على الماجستير من جامعة الخرطوم.

وفي 2015، قادته زيارة إلى الولايات المتحدة إلى جامعة تينيسي، حيث تعرّف إلى أستاذه الدكتور كرار وإلى البرامج الأكاديمية في الجامعة. عاد إلى السودان، وأدى اختباري GRE وIELTS، ثم حصل على القبول وبدأ دراسته في نهاية 2017.

أنهى الماجستير في جامعة تينيسي بمعدل 4.0 من 4.0، ولا يزال يواصل دراسته في برنامج الدكتوراه.

من حقول الجزيرة وأسواقها، إلى ورش البناء، ثم إلى مختبرات جامعة تينيسي، تبدو رحلة عيسى كأنها سلسلة من الأبواب التي فُتحت واحداً تلو الآخر.

لكن الباب الأول لم يكن جامعة، ولا منحة، ولا مختبراً.

كان جداراً من الطين أسقطته الأمطار، وشاباً لم يكن يقول «لا» لأي عمل يساعد به أسرته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوي محمي