
كتب: ناجي المحسي
أصدقكم القول أنني كنت ابحث عن ملامح رجل في الوجوه السمراء التي تمر أمامي ،، اتفرس الملامح عساي أجد رجلا أنيقا ذا (شنب ابيض ) وملامح وقورة رغم غبرة المشاوير( الكداري )،لعلي أجده نازح (لاجئا) معنا هنا في قاهر ة المعز . اصافحه ثم أبدأ بالإعتذار عن التقصير ،،لكنه يقطع خيط ثرثرتي بالسؤال المعتاد : خليك من ده كلو يا صديقي ،،أخبار أولادك شنو ؟؟ أبحث عن صديقي وأستاذي محمد عبدالرحمن همشري كان يمشي خفيف… كأنه غير مربوط بالأرض تمام،نصفه هنا… ونصفه التاني في حتة تانية أبعد ،، لديه علاقة بالأرض وعلاقة تانية بعوالم الروح والتصوف والعوالم الشفافة ،، قليل من الناس من يلتمس فيه هذا الملمح الصوفي ،، فمظهره يبدو و كأنه (علموي ) ،،يعلي قيمة العلم على الروح ،، لكنه (مخادع )في هذا المظهر فقط صادق في ما دونه .. فهو (زول ) جمع بين نورين: نور العلم البيرتب الفوضى،ونور الروح البيرتب القلب. إختلف ذات مرة مع بعض مراكز الرقية الشرعية التي كانت تنشط بالقرب من أحد المكاتب التي كان يستغلها في عمله ونومه في أغلب أحواله ,فكان ان تحدث معهم بالحسنى ،، لكنهم تخاشنوا معه فيما يبدو،، فكان ان اتجه لقسم الشرطة ليفتح بلاغات بذريعة الإخلال بالسكينة والإزعاج العام، معتبرا رفع الصوت بشكل مفرط يضر براحة الناس وبخاصة وان هذه المراكز تقع في وسط يمثل كثافة حركية عالية خاصة اثناء النهار ،وإن الصراخ والتوتر المصاحب لذلك فهو يُعتبر ترويع أو مضايقة لعابري الطريق وخاصة الأطفال .
لكنني عاتبته مظنة ان يظن ظان بأن مظهر الرجل (العلماني)قد يكون مدخلا لإتهامه بالزندقة ، لكنه قدّم لي مرافعة هادئه ،، المشكلة يا صديقي ليست في القرآن المشكلة في “الفوضى حوله” ،ياخ أنا ما بقدّر أولع سيجارتي والقرآن شغال ،، يعني حا اولعها كيف !!! ببقى بقل أدبي مع ربي في الحالة دي وأنا عايش على رحمته ،
ثم يردف ،، ياخ انت عندك مشكلة في عضلة قلبك دي ،، لوعايز تعالجها بفتحوها ليك بي فرار ولا طورية ،، ما لازم مناظير و لو استدعى تدخل جراحي مشارط ومباضع حنينة كده ،،ثم يضحك ،، طيب الناس البتعالجوا بالقرآن ديل عندهم مشكلة في القلب كموضع للحس ،، قلبهم ده بنفتح بالضجيج والإزعاج ولا بالسكينة ،القرآن داير قلب هادئ يستقبله مش قلب مشوش ومضطرب وومارس عليه اي ازعاج ،، ما يعتبره همشري خللا في الفهم أو توظيف خاطئ للدين، وحين ما يلمح نظراتي البلهاء ،، يخاطبني بالقول :ياخ ارجع أقرأ للترابي تاني يا صديقي ،، ثم بضيف ،، رغم إختلافي مع الرجل لكن فهمه للقرآن متقدّم (لهمشري رأي واضح وجهير في الشيخ حسن الترابي ،، نتجادل حوله كثيرا ،، فهو يرى ان الترابي مفكر خطير و سياسي (طلع زيت البلد)
ثم يحدثك حديث العالم ،، عن خطر ممارسة هذه الظاهرة ،، وعن العدوى النفسية وصراخات والتأثير والتأثير ،، ونظريات هتلر ،وفرويد ، والشعراوي ومصطفى محمود وووو .”
(همشري ) أسطورة ال (الايكسبو) في السودان ،، ففي زحمة المعارض واللافتات والأفكار، كان هو الهادئ وسط الضجيج،يصنع الجمال لغيره… ويترك نصيبه مؤجلاً، أسهم في ثراء الكثيرين ،،فيبدو وكأنه أختار (ضيق ذات اليد ) ، لكنه في الأصل أختار (سعة ذات الروح )،،كأنو فاهم إنو الرزق ما كله يُقاس باليد، كان غنيّا بغير ما يملك، وزاهدا في ما يتهافت عليه الناس، ويمد يده للخلق بالأفكار… ويرجع يدو فاضية إلا من( رضا خفي)
فقد اغتنى الناس من عطائه، وهو اغتنى بمحبة الناس ،
ولو سألتو:
ليه ما أخدت حقك من الدنيا؟
يبتسم ابتسامة العارف ويقول:
أنا ما ضيّعت حاجة… أنا بس سلّمتها في يد الله . مكتبه الصغير قبالة فندق قباء، وفوال (الجعلي ) ما كان مجرد مكان شغل…كان خلوة في قلب السوق العربي، بل وسكن له ،، فقد كان دائم المبيت حيث كان رزقه ، ويمسك في يدو طرف الصبر،عشان بناتو يكون عندهم سقف آمن ولقمة كريمة،، فقد كان يتكفل بإيجار سكن لبناته ، دون ان يكون معهن ،، ومع والدتهن التي انفصل عنها قبلا .
أخبرني مرّة عن تفاصيل زواجه بخواجية كان تبحث عن الإسلام فقادها الى أحد شيوخ الصوفية فأسلمت بين يديه ،، لكن الخواجية أختفت ،، قصة ندمت على ضياع تفاصيلها ،، لأنها كانت تصلح كرواية انسانية باذخة ..
أخبرني مرّة عن أحدى بناته التي كانت متعلقة به حد التفاني ،، فقد كان يخاطبها مرّة ،، في اتصال في مكتبي بالسوق العربي : وين انتي يابنت الكلب مشتاقين ياخ ،، ما تتصلي يلعن أبوك لأبو أهلك ،، لم تزل الدهشة عن ضيوف المكتب حينها ،، إلا بعد ان اغلق الخط عن الطرف الآخر ،، ليعتذر بكل لطف ،،معليش يا أخوانّا دي بتي ، أخبرني ان ابنته هذه والتي تعمل في وظيفة ادارية فندقية مرموقة بدولة (قطر) قد تأخرت في الاتصال به لأيام ،، لكنها عادت واعتذرت ،بأنها كانت تواجه مشاكلا في العمل ،فلم تشأ أن تزعجه بذلك ،، لكنها تجاوزت هذه المشاكل ،، ولما عاتبها على عدم استشارته ،، قالت له أنها وضعت خيارات منهجية للحلول فاختارت خيارا كانت تعلم أنها لو استشارت أباها سيفضل هذا الخيار ،لذلك إختارت (نمط تفكير أبيها ) ،فقد كان رحمة الله عليه متقدّما في كل شئ. . (همشري ) كان موسوعة في كل شئ ،، تجده (فاتح ملف) لكل شخص في مستودعات ذاكرته الحديدية ،، فإن اردت تفصيلا للمباني والشخوص في السوق العربي وجميع انحاء الخرطوم بتفريعاتها الجغرافية (وسط وشرق وشمال ،وترقيماتها (تلاتة واتنين ) بل و ديومها ،، و (جريفها) ، يحدثك عن (وليم اندريه) بتفاصيل لن ترد عند غيره ،، وعن وعن وعن . . كنت محظوظا بعلاقة خاصة بالرجل ،، يستغرب لها الكثيرون ،، ولا أرد له طلب ،، فعلى الرغم من اعتداده بأفكاره ،، لكني كنت في بعض أحيانه مستشارا له في بعض شأنه ،، كان آخرها أنه كان مهموما ،بتوطين صناعة النسيج في السودان فقد كان يفكر في تنفيذ مشروع كبير تحت عنوان عريض(سودان فابرك) ،، تناقشنا كثيرا ،فقد كان ممتلئا بهذا المشروع ،، بشقيه المحلي والتقليدي والحديث ،، فقلت له خلينا نبداها من (الغوغاية) وهي عبارة عن اختراع خاصة بإنسان الجزيرة ،، عبارة عن جردل أو صفيحة مملؤة بالحصى أو الاسمنت ، عليها (عودان) ملتصقان بشكل افقي لتنظيف القطن من البذور يدويًا. إذ تقوم بضغط القطن يدويًا بين عودين أو قضيبين، حيث يمر القطن بينما تسقط البذور ، فطفقنا نبحث عن واحدة ولكننا لم نجد ،، فكان أن طلب الاستعانة ببعض الإخوان التشكيلين من خريجي كلية الفنون وقسم التصميم الصناعي ،، لرسم اسكيتش للغوغاية والعمل على تصميم نموذجي صناعي يحاكيها ،، لكننا وبعد ان أعددنا سويا (التصور المبدئي ) للفكرة تباعدت بيننا الأوقات فلم أشأ ان استفسره عن هذا الموضوع ،، ونحن نتقابل مصادفة في ازقة السوق العربي وجخانينه ،، فقد كان حريصا على معرفة أخباري وأخبار الأولاد ،، كما أنه كان صاحب فكرة كبيرة في مجال تطوير الصناعات الثقافية والسياحية ،، كنت اتمني مقابلته لنقل انطباعاتي عن هذه الصناعة في مصر التي كان هو معجبا بنموذجها ، فقد اعددنا سويا مسودة لمشروع كببر كان يستهدف مواطني منطقة السبلوقة والمناطق المحيطة بالآثار والمزارات السياحية حتة يكونو جزءا من العملية الثقافية والمعرفية ،، وقد بدأ محاولة تأسيس شركة مساهمة عامة تستهدف هؤلاء الناس ،، قطع فيها شوطا كبيرا ،، كان يحدثني فبه بحماس ،، لكنه كما كان الحال دائما ينقطع التواصل بيننا قبيل الشروع في تنفيذ مشروعاته تلك .. لهمشري عندي خاطر معتبر إذ أنني لا أرد له طلب وٱن خالف في بعض أحيانه قناعاتي الشخصية ،، فقد كنت حضورا لإجله في بعض التجمعات التي كانت تمثل أخلاطا من أدعياء الثورية بل والتوهم الثوري ،، ولم أخالفه إلا في موضع واحد كان يريد من خلاله إحتلال الهيئة العامة للاداب والفنون مع مجموعة من المثقفين وكسر اقفالها واستلامها بأسم الثورة ،، لكنه كالعادة إحتمل نقدي له وللذين كان يناصرون هذه الخطوة ،، ثم هاتفني بعدها :انت زعلت مني ياصديقي ولا شنو؟؟ ثم اردفها بضحكة عفوية ،، ووبعض شتيمة حميدة ،لي ولحسن الترابي ، لو في العربي نتقابل في حتاتكم ديك .. ترى إي (الحتات) سيكون له طعم ،، وهمشري لم يعد من معالم السوق العربي ،،ولا جزءا عالقا في كل تفاصيل الحياة الثقافية في الخرطوم وأم درمان وبحري .

