مدير عام الهيئة العامة للأبحاث الجيولوجية، الجيولوجي المستشار أحمد هارون التوم.. في حوار تفاصيل ما بعد الحرب

نورد لخزينة الدولة 2.5 تريليون جنيه كربط شهري
تمكنا من العودة سريعاً رغم فقدان الإرث التاريخي والمعلوماتي
قطاع المعادن أنقذ اقتصاد البلاد من الانهيار
خسائر الهيئة 3.5 مليارات دولار بسبب الحرب، من جملة 7 مليارات دولار خسائر قطاع المعادن
البحر الأحمر أغنى الولايات بالتعدين، تليها نهر النيل
حوار/ خالد الفكي
#مقدمة
تمكن قطاع المعادن في السودان من العودة إلى العمل سريعاً، رغم ما لحق به من أضرار، وحقق نجاحاً لافتاً في أداء مهامه، حتى عند مقارنة أدائه بالسنوات السابقة وبأداء وزارات وقطاعات أخرى مماثلة.
في هذه المقابلة، نصطحبكم في زيارة إلى الهيئة العامة للأبحاث الجيولوجية بوزارة المعادن، لمناقشة قضايا التعدين وواقعه، وما تعرض له القطاع من أضرار بسبب الحرب، إلى جانب خطط التعافي وإعادة البناء.
وقد تم استقبالي برفقة الزملاء الصحفيين، محمد سلمان، ويوسف حمد النيل ومصعب الشريف، بكل ترحاب وتقدير، بدءاً من مكتب الاستقبال وحتى وصولنا إلى مكتب المدير العام للهيئة، الجيولوجي المستشار أحمد هارون التوم.
وكان في استقبالنا الزميل السابق والمدير حالياً، د. أحمد مضوي، والمهندس متوكل، المدير التنفيذي، والزميل الصحفي محمد بشير، وطاقم السكرتارية، الذين قابلونا بود وترحاب في مكاتبهم العامرة، قبل أن ندلف إلى مكتب المدير العام للهيئة، الجيولوجي المستشار أحمد هارون.
ويستند هارون إلى خبرة عملية وإمكانات علمية، إذ تدرج في قطاع التعدين بالوزارة من موظف صغير حتى وصل إلى درجة مستشار، على مدى 27 عاماً من العمل.
وفيما يلي نص الحوار:
بدايةً، المهندس أحمد، أثرت الحرب على كثير من المؤسسات في القطاعين العام والخاص والأفراد. ما حجم الخسائر التي تعرضت لها الهيئة العامة للأبحاث الجيولوجية بسبب الحرب؟
في السودان، بلغت خسائر وزارة المعادن نحو 7 مليارات دولار، منها 50% خسائر للهيئة، تمثلت في المقر والأصول وقاعدة البيانات. فقدنا كل الإرث التاريخي للهيئة، والمتمثل في المعلومات والبيانات، وهذه البيانات جمعها يكلّف الدولة ملايين الدولارات لإعادة تجميعها.
ومثلت المعلومات أكبر الخسائر، لأن جمعها تم خلال سنوات طويلة، وبالتأكيد فإن استعادتها وإعادة تكوينها مكلفة للغاية.
يُلاحظ أن وزارة المعادن تمكنت من العودة بسرعة، ومن بينها الهيئة العامة للأبحاث الجيولوجية، الذراع الفني للوزارة؟
نعم، بحمد الله، عقدنا العزم على الاستمرار في العمل وعدم التوقف، بإصرار وعزيمة العاملين بالهيئة.
فعند وصولنا إلى بورتسودان، لم تكن هناك بنية تحتية، ولم تكن الوزارة قد استقرت بعد. كنت أشغل منصب مدير عام الهيئة، وتواصلنا مع وكيل الوزارة والمدير العام ومدير «سودامين»، وتعاونّا جميعاً.
كما تواصلنا مع الشركات، وذللنا لها كل الصعاب، فعادت إلى العمل، بعد أن غادرت بعضها البلاد بسبب الظروف الأمنية.
هل أسهم استئناف نشاط قطاع التعدين في دعم الاقتصاد الوطني خلال فترة الحرب؟
بصورة مباشرة، نعم. استئناف نشاط قطاع التعدين أسهم في دعم الاقتصاد الوطني خلال فترة الحرب، وأصبحت المعادن الآن من أهم مصادر الإيرادات التي ساعدت الدولة على مواجهة التحديات الاقتصادية.
ولولا قطاع المعادن، لواجهت البلاد مشكلة اقتصادية حقيقية.
كيف تمكنتم من استعادة البيانات بهذه السرعة؟
فور فقداننا للبيانات، شرعنا في بناء قاعدة بيانات جديدة. وقمنا بتنشيط العمل الميداني، ونفذنا عملاً حقلياً، كما تواصلنا مع عدد من الشركات والجهات التي نفذت مشروعات سابقة في السودان.
وقمنا بجمع البيانات التاريخية وإعادة معالجتها، لتكون قاعدة انطلاق للعمل الفني والميداني من جديد.

هل هناك جهات خارجية وشركات أجنبية ساعدتكم في استعادة البيانات المفقودة؟ وأي مساعدات أخرى؟
نعم، هناك دول صديقة وشركات أجنبية مدّتنا بمعلومات كان الحصول عليها مجدداً سيكلفنا ملايين الدولارات.
كما أن هناك جهات دولية صديقة ساعدتنا أيضاً في التدريب والتأهيل، من خلال المنح للكورسات التدريبية والدراسات العليا.
ولدينا الآن مبعوثون يتدربون في روسيا، وبالتأكيد سيعودون بإضافة حقيقية للهيئة. كما لدينا عدد من العاملين ابتعثناهم في منح للحصول على الدكتوراه.
فجهود الهيئة في تعظيم الإيرادات لم تقتصر على الاستثمار فحسب، بل شملت برامج التدريب الداخلية والخارجية، وفقاً لخطة مدروسة تستجيب للاحتياجات الفنية والمؤسسية.
يُلاحظ أن حركة التعدين لم تتوقف، بل شكلت حضوراً وأثبتت نجاحها بعد الحرب، وأن قطاع التعدين من أكبر القطاعات في الدولة. هل قمتم بإعداد مربعات تعدين جديدة؟
نعم، قمنا بتجهيز مربعات، وتم توقيع اتفاقيات امتياز جديدة لها لدعم خزينة الدولة.
والآن هناك عدد من مربعات الامتياز ومربعات التعدين التقليدي، يتم الترويج لها أمام المستثمرين، وستسهم في رفد خزينة الدولة بعوائد اقتصادية مهمة.
ماذا عن المقر والعاملين بالهيئة؟
كل هذا العمل الذي نقوم به تمكنا من تحقيقه وأداء مهامنا خلال فترة الحرب، رغم تراجع عدد العاملين إلى 37 موظفاً فقط من أصل 735 موظفاً.
ويؤدي الفرد منا مهام عشرة موظفين، وأحياناً مهام عشرين شخصاً.
بالنسبة إلى إعادة الإعمار، ماذا تم بشأن مقر الهيئة؟
تم تشكيل لجنة برئاسة د. أحمد مضوي لتفقد المقر الرئيسي بشارع النيل، وكشفت أعمال الحصر عن تعرض المبنى لدمار واسع وحريق أدى إلى فقدان معظم البنية التحتية والبيانات، بنسبة تجاوزت 95%.
وتقوم اللجنة الآن بعملها لإعادة إعمار مقر الهيئة.
كما أعددنا المقر الحالي، ويحوي معرضاً جيولوجياً يضم أهم المعادن في السودان، ويُعد أول معرض للهيئة، وهو يمثل إرثاً وطنياً كبيراً.

وماذا عن مكاتب الهيئة واحتياجات العاملين والمتحركات؟
أوفينا باستحقاقات العاملين، ولدينا الآن ستة مكاتب بالولايات.
وكنا قد فقدنا 280 مركبة، لكن بحمد الله تمكنا من استعادة 70% من الأصول المطلوبة للمتحركات، كما وفرنا مركبات جديدة أسهمت في تقليل فاتورة الصيانة.
ألم يؤثر هذا العدد القليل من الموظفين على أداء الهيئة، خاصة في الجانب الإيرادي؟
أبداً، لم نتأثر بشكل كبير، والهيئة لديها إسهامات كبيرة في الوضع الاقتصادي للدولة.
وفيما يتعلق بالإيرادات الذاتية، نضخ ما يقارب 2.5 تريليون جنيه شهرياً للدولة، وذلك بعد أن نستوفي مستحقات العاملين.
ما المشروعات الإنتاجية التي تقوم بها الهيئة؟ وما وضعها؟
لدينا عدد من المشروعات الإنتاجية، منها مشروع الملح في الميودة بولاية البحر الأحمر، ويعالج المشروع مشكلات نقص اليود وتشوه الأجنة، كما يسهم في تقليل الضغط على النقد الأجنبي بالبلاد، حيث نستورد ملحاً بملايين الدولارات، رغم أن لدينا ساحلاً غنياً بالملح.
ولدينا في القضارف مشروع لإنتاج البلوك من الأحجار، ويعالج المشروع مشكلة مواد البناء في المنطقة، وهو الآن في طور الإنتاج.
وفي الشمالية لدينا مشروع للرخام، وهو في طور الخطوات النهائية، لاستخدامه في أغراض البلاط والأسمنت وغيرها من الاستخدامات.
كما لدينا مشروع لمدخلات الطاقة النظيفة، وتهدف هذه المشروعات إلى تأهيل الكادر للعمل في الصناعات التحويلية.
السيد المستشار، وأنت عملت في وزارة المعادن لأكثر من 27 عاماً، كيف تنظر إلى مستقبل التعدين في السودان؟
السودان أكثر دولة تنوعاً جيولوجياً، وأكثر تنوعاً معدنياً، والسودان غني جداً بالمعادن.
يوجد فيه الكثير من المعادن غير المستغلة حتى الآن، منها الذهب نفسه، والنحاس، واليورانيوم، والحديد، والكروم، والمنغنيز.
والسودان كتاب مفتوح للعالم، والجميع يعلم ما به من معادن وثروات. ولدينا أيضاً الأحجار الكريمة، وهي ذات استخدامات متعددة.
لذلك نعكف على إعداد الخارطة الاستثمارية، ليس فقط لساحل البحر الأحمر، وإنما لمختلف مناطق السودان الغنية بالمعادن.
على ذكر ذلك، أين يقف مشروع كنوز البحر الأحمر؟ ومشروع استخراج الكروم في النيل الأزرق؟
ساحل البحر الأحمر غني جداً بالمعادن، فكل المعادن تقريباً موجودة في هذا الساحل.
ومشروع «كنوز البحر الأحمر» هو اتفاقية شراكة بين السودان والسعودية لاستغلال الثروات المعدنية في قاع البحر الأحمر. وتعود جذور التعاون إلى العام 1974، وجرت تجديدها لاحقاً في اتفاقيات أخرى.
وتوقف المشروع، ونأمل عودته قريباً لأهميته الكبرى.
ما ترتيب ولايات السودان من حيث الإنتاج المعدني؟
البحر الأحمر، نهر النيل، الشمالية، النيل الأزرق، والقضارف.
حدثنا، السيد المستشار، عن مشروع المسح الجيولوجي. بالتأكيد هو عمل كبير، وسيكون له آثاره على القطاع؟
دشنّا المسح الجيولوجي لست ولايات، بهدف تحديث قاعدة البيانات الجيولوجية، وتعزيز الإدارة المستدامة للموارد، ووضع استراتيجيات للتعدين على ضوء نتائج المسح.
ونحن لا نستهدف الذهب فقط، بل كل المعادن، خاصة المعادن الصناعية.
السودان موعود، بنهاية المسح، ببشريات كبيرة في مجال المعادن، وسيغطي المسح فجوة كبيرة في قطاع التعدين.
وسنقوم بوضع خرائط جيولوجية معدنية، وخرائط لتحديد استخدامات الأراضي، بما يحقق استغلالاً أفضل للموارد، ويوفر موارد مستدامة وآمنة للبيئة.

أين تقف الهيئة العامة للأبحاث الجيولوجية من الأخذ بالتكنولوجيا الحديثة في العمليات الفنية للتعدين؟
نحن نعمل علي إجراءات التحول الرقمي، وفي عمليات الاستكشاف نستخدم الآن الطائرات المسيّرة «الدرون»، لأن الأراضي شاسعة ووعرة، والاستكشاف عبر الدرون يمنح معلومات أكثر دقة، وفي وقت أقل وجهد أقل وتكلفة أقل.
كما أننا نصل إلى أعماق أكبر من الطرق التقليدية، ونستخدم كذلك الأقمار الصناعية في عمليات الاستكشاف.
وماذا عن التعدين التقليدي؟
نحن نسعى إلى تنظيم التعدين التقليدي، لأنه يطمس المعالم التعدينية، ونصيحتنا للمجتمعات المحلية هي الاتجاه نحو التعدين الحديث.
هل لديكم شراكات محددة فيما يتعلق بالتعدين واستثماراته؟
نعم، نعمل مع الصين وروسيا، وعلاقاتنا مع المؤسسات الدولية قائمة.
والاستثمار ليس فيه عداوة، ونحن نركز أعمالنا الآن على «البحث» و«تأهيل الكادر» و«الترويج»، ونتعامل بأفق مفتوح مع مختلف الشركاء.

