مجدي عبد القيوم (كنب) يكتب: القصف المصري للمعدنين.. بين التوظيف السياسي والصمت الحكومي

كبسولة اليوم
كتب/ مجدي عبد القيوم (كنب)
مثلما كان موقفنا يرى في المليشيا وأعوانها مجرد حصان طروادة ومخلب قط لأطراف تسعى إلى تفكيك البلاد ونهب مواردها، فإننا ندين ـ مع الفارق ـ انتهاك مصر لسيادة السودان ومحاولة وضع اليد على ثرواته، وإزهاق أرواح المعدنين السودانيين، سواء كان ذلك داخل الأراضي السودانية أو حتى داخل الحدود المصرية، فمسألة سيادة البلاد قضية مبدئية لا تقبل المساومة.
ومن الواضح أن رد فعل السلطات السودانية لم يكن في مستوى الحدث، بل حاولت عبر بعض الجهات الالتفاف على القضية بتصويرها على أنها نزاع بين أهالي المنطقة التي استهدفها القصف، وأنها اتخذت إجراءات لضبط المتفلتين، أو كما ورد في الروايات الرسمية.
ونحن نتفهم ضرورات العمل الدبلوماسي ومقتضيات عدم التصعيد، في وقت لا تزال فيه رحى الحرب تطحن الشعب السوداني، وليس من الحكمة فتح جبهة جديدة مع دولة جارة تساند بلادنا في حربها وتستضيف ملايين النازحين السودانيين.
لكن كل ذلك ليس مبرراً للصمت المخزي الذي تعاملت به السلطات مع الحدث، إذ كان بالإمكان تفعيل القنوات الدبلوماسية بمختلف أشكالها للتعامل مع القضية بما يحفظ كرامة الدولة وهيبتها.
كما اتضح من الأخبار المصاحبة للحدث أن المنطقة الغنية بالمعادن، والتي تمتد داخل حدود الدولتين، قد خُصصت لشركة استثمارية، غير أن ذلك لا يبرر التعامل مع المعدنين فيها وكأنها منطقة سكن عشوائي ينبغي إزالة التعديات منها.
صحيح أن جهات كثيرة حاولت توظيف الحدث سياسياً لخدمة أغراضها، وهذا أمر غير مقبول، فلا موت الأبرياء ولا خلق أزمة بين دولتين جارتين تربطهما حقائق الجغرافيا والتاريخ يصلحان مادة للتوظيف السياسي.
والأغرب أن الجهات نفسها التي حاولت استغلال الحادثة سياسياً هي التي ملأت الدنيا ضجيجاً عندما اتخذت الدولة موقفاً واضحاً من القصف الإثيوبي لمطار الخرطوم، وكانت تنادي حينها بضبط النفس وانتهاج سياسة حسن الجوار ومراعاة العلاقات التاريخية بين البلدين، وهو ما يكشف قدراً كبيراً من التناقض والانتقائية.
صحيح أن بلادنا تعاني، وأن السلطات تواجه تحديات جسيمة، وربما ليست بحاجة إلى أعباء إضافية، لكن غض الطرف عن القضايا المبدئية ليس أمراً مقبولاً، ولا حتى مفهوماً.
لقد كان ينبغي على السلطات التعاطي مع هذه الحادثة وفق ما هو متعارف عليه في مثل هذه الحالات التي تُنتهك فيها سيادة الدول. فلماذا هذا الصمت المخزي في هذه الحالة تحديداً؟ ولماذا هذا الموقف الذي يقدح في مصداقية السلطات ويفتح الباب أمام العديد من الأسئلة المشروعة؟

