د. معاوية عبيد يكتب: “السكة الحديد يا عمو القطر… وسال الدم مطر”

صرير القلم
كتب/ د. معاوية عبيد
السكة الحديد .. يا عمو القَطَر
يا عبدالرحيم قِدّامك قطر
وسال الدم .. مطر
وطارت دمعتين .. وإنشايح وتر
يا طاحن الخبر
ما بين القضا .. ومَرْحاكة القدر
الشِّهدوا الدموم .. والدمع الهَدَر
إيدُمْ فى التُراب .. والعين فى القطر
عارفين الحصل ؟ …. سال الدم مطر
سال دم الشعب السوداني مطرًا يوم توقفت عجلات القطار وحلّت الإطارات محل القضبان وغاب صوت الصافرة الذي كان يعلن الحياة في المدن والقرى ….
سال الدم مطرًا عندما امتدت أيادي أصحاب المصالح والنفوس الضعيفة إلى السكة الحديد فقتلوا قضبانها وأطفأوا محطاتها وأصابوا شريان الوطن الأكبر بالشلل …
سال الدم مطرًا عندما فقد المسافر ذلك الأمان الذي كان يرافقه من محطة إلى محطة ومن سندة إلى سندة في رحلة هادئة تجمع أهل السودان على امتداد الوطن …
سال الدم مطرًا عندما أعمي الطمع والجشع بصائر الكثيرين فأصبح المواطن يدفع من قوت يومه ثمن تذكرة واحدة بين مدينة وأخرى بينما كان ثمن التذكرة في القطار يكفي لأسرة كاملة تحمل معها الزاد والفرح والذكريات …
سال الدم مطرًا عندما تعرضت خطوط السكة الحديد لتدمير ممنهج فانقطع شريان الاقتصاد وتعطلت التجارة وتباعدت المدن وخسر السودان واحدًا من أعظم إنجازاته الوطنية …
سال الدم مطرًا عندما غابت الرحلات السياحية عبر القطار فلم تعد النوافذ تطل على الحقول والقرى والنيل ولم تعد المحطات ملتقى للمحبة والتعارف …
سال الدم مطرًا عندما ضاع ذلك الانضباط الذي عُرفت به السكة الحديد حتى إن الناس كانوا يضبطون ساعاتهم على موعد دخول القطار ثقةً في دقته واحترامه للزمن …
عودوا لنا بالقطار… أعيدوا للسودان سكك حديده وأعيدوا للوطن شريانه الذي كان يجمع أطرافه ويخفف أعباء أهله ويصنع التنمية ويحمل الأحلام قبل الركاب
وكما تغنى أهل السودان: “القطر الشالك إنت يتكسر حتة حتة… آها تكسر القطر… والقلب انفطر… وسال الدم مطر.”
عود لينا يا ليل الفرح …
داوي القليب اللي انجرح
خليهو يفرح مرة يوم طول عمره ناسيه الفرح
ولعل اليوم الذي يعود فيه القطار إلى صفيره تعود معه الحياة إلى المحطات وتلتئم به جراح وطن طال انتظاره.

