د. عبد الله جماع يكتب: مشروع الجزيرة.. «كذبة» اقتصادية كبرى!

وَقُلِ اعْمَلُوا
كتب/ د. عبد الله جماع
تأسس مشروع الجزيرة عام 1925، بوصفه أكبر مشروع انسيابي في العالم تحت إدارة واحدة، بمساحة قدرها 2.2 مليون فدان، حيث يمتد بين النيلين الأزرق والأبيض. وكان الهدف من إنشائه توفير القطن للمصانع التابعة للمستعمر البريطاني في لانكشير بالمملكة المتحدة، وفق نظام قائم على المزارعين كمستأجرين، إلى جانب الإدارة والحكومة.
ويُعد السودان من أكبر ثلاثة مصدرين للقطن في العالم. ويبلغ عدد المزارعين في المشروع نحو 130 ألف مزارع، بينما بلغ عدد الموظفين نحو 7 آلاف موظف، يتقاضى جميعهم مرتباتهم ونثرياتهم بالدولار.
وللأسف، يقوم المشروع وفق قانون أراضي الجزيرة لسنة 1921، الذي يمنع المزارع من بيع الحواشة أو تأجيرها أو رهنها، مع السماح بتوريثها.
وللوقوف على دخل القطن خلال بعض الأعوام، ومعرفة مدى الاعتماد عليه بوصفه دخلاً قومياً يمكن أن يسهم بصورة فاعلة في اقتصاد البلاد، أو أنه مجرد «هوس قديم» يُسمى مشروع الجزيرة، لخدمة الاتحاد والإدارة دون عائد مجدٍ يُستفاد منه، فإن النتائج كانت على النحو التالي:
خلال الفترة من 1925 إلى 1950، بلغ دخل المشروع نحو 450 ألف بالة، بلغت قيمتها ما بين 9 و15 مليون جنيه إسترليني.
وخلال الفترة من 1956 إلى 1970، بلغ إنتاج المشروع نحو 500 ألف بالة، بقيمة فعلية تراوحت بين 40 و60 مليون دولار سنوياً.
أما في الفترة من 1970 إلى 1990، فقد بلغ الإنتاج نحو 350 ألف بالة، بقيمة فعلية تراوحت بين 52 و70 مليون دولار.
هذه بعض إيرادات مشروع الجزيرة خلال سنوات الطفرة وقمة الإنتاج. فما بالك بأعوام تدهور الإنتاج والانحطاط؟ خذ مثالاً عام 2022، حيث لم يتجاوز إنتاج المشروع 35 ألف بالة، بقيمة كلية بلغت نحو 12.25 مليون دولار.
وعليه، هل يا تُرى كانت كل هذه العائدات من دخل مشروع الجزيرة، منذ سنوات الطفرة وحتى اليوم، كفيلة بأن تجعل منه مورداً حقيقياً قادراً على النهوض بدولة اسمها السودان؟
وبناءً على أعلى سنوات الإنتاج، فإن ذلك يؤكد، بما لا يدع مجالاً للشك، أن مشروع الجزيرة مجرد «كذبة»؛ بينما الحقيقة المُرّة هي أن المشروع لم يكن يوماً مشروعاً سودانياً خالصاً.
لقد صممه المستعمر ليخدم مصانعه في لانكشير، وزرعناه بعرقنا، وسُرقت أرباحه بعملتنا. وعندما غادر المستعمر، لم نكسر القالب، بل ورثناه بكل غباء، وظللنا طوال سبعين عاماً نشير إليه ونقول: هذا شريان اقتصاد السودان.
والحقيقة أنه لم يكن شرياناً لنا، بل كان يضخ دمنا إلى غيرنا.
لقد تاجرنا به في الانتخابات، وتكسبنا باسمه في المؤتمرات، وبعناه في الأزمات؛ فكانت النتيجة مزارع فقيراً منهكاً، وخدمات صفراً، وأرضاً بوراً، وإدارة مترفة، ومستقبلاً مرهوناً برؤوس الأموال الأجنبية للدخول وتشغيله.
وفي المقابل، كان بالإمكان استنساخ مئات المشاريع الكفيلة بنهضة الاقتصاد وبناء الوطن، من غير وجع رأس أو إضاعة للوقت في عقدة ما يُسمى «مشروع الجزيرة».
فبالحساب والورقة والقلم، فإن مشروع الجزيرة «ما جايب حقه». لذلك، فلنتحرر من عقدة المستعمر هذه، حتى لا نهدر الأموال بلا طائل، ولدينا من الإمكانيات والأفكار ما يكفي لإنشاء «ألف مشروع جزيرة» ذات جدوى اقتصادية وعائد إنتاجي ضخم، بدلاً من إضاعة الوقت والمال في «عِجل المستعمر» الذي خلّفه لنا، وهو ليس له خُوار.
ونشير هنا إلى أن كافة البيانات والأرقام الواردة في هذا المقال مصدرها: سجلات وزارة المالية، وبنك السودان، وتقارير البنك الدولي، ومركز PMC، ومنظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، وجريدة الأهرام المصرية.
د. عبد الله جماع 0912164905 Jamma1900@hotmail.com

