درر الأمثال السودانية: «جِلد ما جِلدك جرّ فيه الشوك»

وهج اليراع
كتب/ محمد هارون عمر
الأمثال مصادر ثقافية مهمة، فهي حصيلة تجارب إنسانية متراكمة، ولها مردود فكري وتربوي وسلوكي. ويُقال المثل أو يُضرب في الحالات المشابهة للعظة والعبرة، دون أن يمرّ المرء بطور التجربة؛ إذ عليه أن يختار الخيار الأفضل والأمثل والأحسن من خلال منطوق المثل الذي يرشد ويسدي النصح.
هذا المثل يحلل الحالات والمواقف الأنانية والانتهازية، وتغليب المصلحة الشخصية الضيقة. وقد يبدو ظاهر المثل، كما لو أنه يدعو إلى الانتهازية وحب الذات، لكن عكس ذلك هو الصحيح؛ فهو يشجب ويدين وينقد من يبني فلسفته في الحياة على حب النفس، ليتجرأ ويقول: «نفسي، نفسي».
معنى المثل أن «الجلد» المقصود به جسم الإنسان، في إشارة إلى أن الشخص الأناني لا يهتم إلا بنفسه، ويمكن أن يعرّض أجساد الآخرين للشر أو الأذى. فالجلد هنا مقصود به نفس الإنسان الأناني؛ فهو لا يهتم إلا بنفسه، ولا يعنيه ما يعتري الآخرين من أذى.
وهذا نقد للأنانية وحب النفس، وقطعاً فإن من يتصف بهذه الصفات فهو لئيم وانتهازي، إذ يقول المأثور: «حبّ لأخيك ما تحب لنفسك». وهذا النوع من الناس يجب عزله عزل البعير الأجرب، فهو خليق وقمين بالازدراء والاستهزاء والاستحقار والنظرة الدونية؛ لأنه لا يمتلك قيماً روحية جميلة.
هذه الخصال تجعل صاحبها مكروهاً ومنبوذاً وممقوتاً. والمثل يشخّص داء الانتهازية والأنانية، فينقدها ويشجبها. والمتصف بها شخص ساد ونرجسي، ومعلول النفس، ومغلول الوجدان، ومهصور الجنان؛ لا يبالي بما يصيب الآخرين من أذى، أو بما يسببه هو أو غيره لهم.
قلبه قاسٍ، لا يطرف له جفن، ولا يتألم لكوارث الناس ونوازلهم ونكباتهم. وأمثال هؤلاء الذين عناهم المثل ما أكثرهم في المجتمع!
وكأن لسان حال ذلك الشقي التعيس يزمجر، دون حياء، ويفصح عن فلسفته في الحياة:
«جِلد ما جِلدك، جرّ فيه الشوك».

