ثقافة وفنونمعرض الصور

خالد عويس يروي لـ”أرض السودان “.. عن المأساة المنسية

 

خالد عويس يروي لـ”أرض السودان ” عن تفاصيل وخفايا فيلم “الخرطوم فوق الجراح”…

 

الخرطوم/ خالد الفكي

الصحفي السوداني ومدير مكتب قناة الشرق بالخرطوم، الأستاذ خالد عويس، يقول لـ” منصة أرض السودان”، بشأن الحصاد الاسطواري… هذه الجائزة العالمية الرفيعة لا تذهب لي، ولزميلي المصور المبدع سامي اللباب، ولمكتب الشرق فحسب، وإنما تذهب لكل الزميلات والزملاء المهنيين الذين عملوا، وما زالوا، في ظل ظروف صعبة ومعقدة، محاصرين بالنار والموت والأمراض والاستهداف وحملات التجريم. كما تذهب إلى 34 صحفية وصحفياً ارتقوا خلال هذه الحرب، وإلى 500 شخص تشردوا من وظائفهم. وهي تأكيد آخر ورسالة من على واحدة من أرفع منصات التتويج في العالم، بأن الصحفيين السودانيين مهنيون ومبدعون وقادرون على العمل في أقسى الظروف.

سبق أن أعددت عدداً من الأفلام الوثائقية القصيرة والطويلة، منها: مقتل د. جون قرنق، محمد وردي، القصر الرئاسي القديم، شارع الجمهورية، الألفية الجديدة في إثيوبيا (2008)، مدينة شاشاماني “عاصمة الراستا”، ومدينة الجنينة.. الوجه الآخر. أنا شغوف جداً بالأعمال الوثائقية، وفي بلد مثل السودان توجد الكثير من الأمكنة والشخوص والأحداث التي تمثل ثراءً كبيراً ومادة خصبة جداً لمثل هذه الأعمال.

قامت فكرتي على “الخرطوم بين زمنين”: زمن الحرب والزمن الذي سبقه، كيف كانت الخرطوم بأمكنتها وناسها وشوارعها و”مقتنياتها”، وكيف أضحت. لمدة عشرة أيام، كنت أنا وزميلي المصور سامي اللباب، والزميل غسان الرشيد، نبدأ العمل في حدود الخامسة صباحاً، وننتهي في حدود السابعة أو الثامنة مساءً في الخرطوم، ولا نتذوق طعاماً إلا قرابة التاسعة ليلاً، أي ما يزيد على 16 ساعة من العمل المتواصل يومياً.

أقسى ما مر بنا كان حين صورنا الطفلين “إسحق” و”الفاضل”، اللذين بُترت أطرافهما بسبب ألغام أرضية ومخلفات متفجرة. صورناهما في مستشفى “النو” بأم درمان. وقد قصّ والد إسحق ووالدة الفاضل تفاصيل المأساة. كان إسحق يحمل شقيقه الرضيع حين انفجر فيهما لغم أرضي داخل المنزل، فتوفي الرضيع بعد ساعة أو ساعتين، بينما فقد إسحق قدميه. أما الفاضل فقد بُترت يداه.

وحين فرغت والدة الفاضل من رواية قصته، كان الصغير يشكو ألماً بالغاً في يديه المبتورتين، ولم تكن تملك له سوى الدموع. أسرعنا بحمل أجهزتنا وخرجنا إلى الممر لننخرط جميعاً، نحن فريق العمل والكادر الطبي، في بكاء مرير، لأن دموع الأطفال وآلامهم تفطر القلب حقاً.

رافقنا أيضاً فرق إزالة الألغام، وهم يقومون بعمل جبار. صورنا المتحف القومي، والقصر القديم ومتاحفه، وشارع الجمهورية، وجامعة الخرطوم. فالفيلم بأكمله يتحدث عن “أوجاع” الإنسان والمكان معاً في الخرطوم بسبب الحرب.

بعد عودتنا إلى بورتسودان، بدأنا رحلة المونتاج، التي استغرقت أسابيع لإنضاج العمل على مهل. وقد ساعدنا “بيت العود – الخرطوم”، والسيدان أحمد شمّة وخالدة إبراهيم، كثيراً بالموسيقى التي جاءت معبرة للغاية عما يدور في الفيلم.

أما أنا شخصياً فأعشق “عازة في هواك”، فهي تمثل السودان فعلاً وقولاً. لذلك أعتقد أن الفيلم شكّل مسرحاً كبيراً لآلام الناس وعذاباتهم، وكذلك لآمالهم، فقد صورنا أيضاً مشاهد العودة، والمحال التجارية والمطاعم التي افتتحت، والإمدادات الطبية، والعمل الجاري في الأسواق، وعودة الثقافة من خلال مكتبتين عريقتين عادتا لمزاولة نشاطهما. هذه هي الحياة: ألم وأمل متجاوران ومتجادلان.

حين فرغت أنا والزميل سامي تماماً من العمل، وسلمناه لإدارة القناة، ثم شاهدته مرة واثنتين، أيقنت في قرارة نفسي أنه سيحصد جوائز، لأننا عملنا على الجانب الإنساني و”روح المكان” التي أصابها العطب في جوهرها، وكذلك قدرة الإنسان على بث الأمل واستعادة ولو جزء يسير من حياته السابقة قبل الحرب.

أعتقد أن القناة سترشح الفيلم لجوائز أخرى على الصعيدين الإقليمي والدولي، وهذا سيسعدني دون شك، لأن مبتغاي أن تصل هذه المأساة المنسية بتفاصيلها الصغيرة وناسها البسطاء إلى العالم أجمع. بذلك أكون قد قدمت شهادتي – كصحفي – للعالم عما يحدث في بلدي، وكيف مسّ الإنسان على نحو غير مسبوق.

وكان الزميلان خالد عويس وسامي اللباب وبقية فريق العمل قد حققوا إنجازاً عالمياً رفيعاً عبر فيلم “الخرطوم فوق الجراح”، المتوج بالجائزة الذهبية في جوائز “تيلي أووردز” بمدينة نيويورك، عن فئة الأعمال المتصلة بالسياسة، وهي من أرفع الجوائز التلفزيونية وأكثرها مكانة وتأثيراً على مستوى العالم.

وجاء هذا التتويج المستحق شاهداً على عظمة العمل حين يخرج من رحم المعاناة، وينحاز بصدق وشجاعة إلى الإنسان وكرامته. فقد حمل الفيلم وجع الخرطوم، واستعار من شوارعها المكلومة أنينها، ومن قلوب أهلها صبرهم النبيل، ليصوغ شهادة بصرية وإنسانية آسرة كُتبت بمداد الحقيقة وضياء المهنية الرفيعة.

إن هذا العمل لم يكن مجرد مادة وثائقية عابرة، بل كان مرآة لروح وطن ينزف، وصوتاً حياً لمدينة تقاوم الجراح بالأمل، فاستحق أن يبلغ المنصات العالمية مرفوع الهامة، عالي المقام.

كما تقدمت نقابة الصحفيين السودانيين بخالص التهاني لقناة الشرق للأخبار، التي أكدت بهذا الإنجاز مكانتها الإعلامية المرموقة، ورسخت حضورها المهني الوازن، بانحيازها للإعلام الرصين الذي يلامس قضايا الناس بعمق ومسؤولية ووعي.

ويمثل هذا الفوز إضافة حقيقية ومضيئة إلى سجل الإنجازات التي حققتها الصحافة والإعلام السوداني في الآونة الأخيرة، مؤكداً قدرة الصحفيين السودانيين على الحضور المؤثر والمنافسة في المحافل الدولية، وتمسكهم الدائم برسالتهم المهنية والإنسانية النبيلة، رغم قسوة الظروف وتعقيدات الواقع.

إن هذا التتويج المستحق يمثل انتصاراً للكلمة الحرة، وللصحافة التي تؤمن بأن نقل الحقيقة رسالة سامية، وأن للوجع الإنساني صوتاً لا يخفت مهما اشتدت العواصف.

مبارك هذا التتويج المستحق، مع خالص الأمنيات بمزيد من الإبداع والتألق ورفعة الشأن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوي محمي