ثقافة وفنون

محمد هارون عمر يكتب: ذكريات سومانية في الجمهورية اليمنية (49)

 

 

وهج اليراع

 

 

كتب/ محمد هارون عمر

 

 

أثناء حرب العراق والكويت والتدخل الدولي لضرب الجيش العراقي وإخراجه من الكويت، كان معظم الشعب اليمني يتعاطف مع صدام، ليس تشجيعًا لاحتلال الكويت، بل حقدًا على الدول المتطفلة التي غمست نفسها في شأن لا يخصها. قالوا عنها: «دول استعمارية»، تصطاد في الماء العكر، لا يهمها الكويت، بل همّها تدمير أقوى دولة عربية لصالح إسرائيل.

الشعب اليمني يحب الكويت ويتعاطف معها، وهو لا يبرر غزوها، ولكنه حينما شعر بالتكالب الغربي، طفق يتعاطف مع صدام. كانوا ضد الدول الأوروبية وأمريكا التي تدخلت في الحرب، انطلاقًا من قناعتهم بأن وراء ذلك مصالح وأجندات تتجاوز تحرير الكويت.

وكان اليمنيون يستمعون بنشوة إلى عنتريات الصحاف، وزير الإعلام العراقي، ويستمتعون بما يقول. وذات مرة قال: «ذبحنا الأمريكيين على أسوار بغداد»، فهلّل من كان معي وقالوا: «الله أكبر».

ومن جملة هذه المواقف اليمنية في المدن والقرى، نستخلص أن الشعب اليمني لم يكن مع احتلال العراق للكويت، ولا يحمل حقدًا عليها، بل كان في عداء مع السلوك الأمريكي الذي رآه مريبًا وغريبًا.

وقد ادعت الولايات المتحدة لاحقًا، زورًا وبهتانًا، أن العراق يمتلك أسلحة كيميائية لتسوّغ غزوها له. وتجاوزت واشنطن هدف تحرير الكويت إلى غزو العراق وإسقاط نظام حكمه.

ما أذكى الشعب اليمني! فقد تخوّف منذ وقت مبكر من التدخل الغربي تحت ذريعة تحرير الكويت ونزع الأسلحة الكيميائية العراقية. وكان صدام قد وعد بـ«أم المعارك» لقصم ظهر العدوان، ولكن هيهات!

ما انفك أثر العدوان الأمريكي موجودًا في العراق، ولا يزال الشعب العراقي يعاني من تبعات تلك الهجمة الغاشمة والبربرية الأمريكية الظالمة.

كما أُثيرت قضية الاستيلاء على مليارات الدولارات المودعة في بنوك أمريكية، وهو ما اعتبره كثيرون قرصنةً مدمرة ومحطمة، ونهبًا مقننًا وعدوانًا سافرًا لمصلحة الصهاينة.

لقد كانت قراءة جيدة من أشخاص عاديين لا يحسنون الظن بأي تدخل أجنبي. ولا تزال هذه الفكرة ماثلة: أي تدخل أجنبي سرطان، فيه شر مستطير.

والسيناريو نفسه يحدث الآن في بقاع كثيرة، وقد يمتد إلى أطراف العالم العربي والإسلامي التي تشهد نزاعات وصراعات.

وربما يظن المرء أن تعاطف اليمنيين مع العراق كان فيه تسرّع، لكن قراءة مواقفهم في ذلك الوقت تكشف عن موقف شعبي كان يرى في التدخل الأجنبي خطرًا يتجاوز الشعارات المعلنة، ويخشى أن تتحول التدخلات الدولية من حماية الشعوب إلى فرض أجندات سياسية وعسكرية طويلة الأمد.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوي محمي