الإقتصادتقاريرثقافة وفنونمعرض الصور

الحضارة تحرس نفسها… السودان يخوض معركة إنقاذ الذاكرة

 

 

الخرطوم/ خالد الفكي

 

ثمة أوطان تُقاس حدودها بالخرائط، وأخرى تُقاس بعمق ذاكرتها. والسودان، الذي تعانقت على أرضه حضارات آلاف السنين، لم يكن يوماً مجرد رقعة جغرافية، بل كتاباً مفتوحاً على التاريخ؛ تتصفح صفحاته الأهرامات، وتروي سطوره المعابد، وتهمس بين أحجاره آثارٌ نجت من تقلبات الزمان، شاهدةً على أن هذه الأرض كانت، وما تزال، إحدى مهاد الحضارة الإنسانية.

 

وعندما دوّت أصوات الحرب، لم تكن البنادق تستهدف المدن وحدها، بل امتدت شظاياها إلى خزائن الذاكرة الوطنية. بدا وكأن ثمة من أراد أن يسرق الماضي، ليترك المستقبل بلا جذور، وأن ينتزع من السودان ملامحه التي صاغتها القرون. غير أن التاريخ، حين يسكن وجدان الشعوب، يصبح عصياً على الاقتلاع.

من هنا، تواصل وزارة الثقافة والإعلام والآثار والسياحة معركتها الهادئة؛ معركة لا تدوّي فيها أصوات المدافع، بل يتردد فيها وقع الخطوات التي تحرس الهوية، وتجمع شتات الحضارة، وتعيد للأثر هيبته، وللوطن ذاكرته.

 

وفي هذا السياق، أكد وزير الثقافة والإعلام والآثار والسياحة، خالد الإعيسر، أن السودان ماضٍ في تنفيذ خطته الرامية إلى حماية التراث الوطني وصونه، مشدداً على أن الموروث الثقافي الذي توارثه السودانيون جيلاً بعد جيل ليس إرثاً قابلاً للمساومة، وأن جميع محاولات طمس الهوية الوطنية باءت بالفشل، لأن الشعوب التي تحفظ تاريخها لا تُهزم مهما اشتدت العواصف.

وجاءت تصريحات الوزير خلال تسلم الوزارة دعماً من منظمة اليونسكو والوكالة الإيطالية للتنمية، ضمن برنامج إعادة تأهيل المتحف القومي السوداني، بحضور وكيلي الوزارة، الدكتور جراهام عبد القادر والأستاذة سمية الهادي، في مشهد حمل رسالة تتجاوز حدود الدعم الفني، مؤكداً أن حماية التراث مسؤولية إنسانية تتقاسمها الأمم.

 

وكشف الإعيسر أن التعاون الوثيق بين الأجهزة الأمنية والهيئة العامة للآثار والمتاحف ومنسوبي الوزارة أثمر عن استرداد أعداد كبيرة من القطع الأثرية التي تعرضت للنهب خلال الحرب، مؤكداً أن رحلة استعادة ما فُقد لن تتوقف حتى تعود كل قطعة إلى مكانها الطبيعي، باعتبارها شاهداً على تاريخ لا يخص السودان وحده، بل يمثل جزءاً من الذاكرة الإنسانية.

 

ورغم قسوة الظروف، ظل العاملون في قطاع الآثار، كما يقول الوزير، يؤدون واجبهم بصبر وإيمان، مدركين أن إنقاذ قطعة أثرية واحدة قد يعني إنقاذ صفحة كاملة من تاريخ وطن، وأن حماية المتاحف ليست عملاً إدارياً فحسب، بل دفاعاً عن هوية أمة بأكملها.

 

ويؤمن السودان بأن تنوعه الثقافي، وتعدد مكوناته الاجتماعية، وثراء حضاراته الممتدة عبر آلاف السنين، ليست مجرد حقائق تاريخية، وإنما مصدر قوة يمنحه تفرداً بين الأمم. فمن حضارات كرمة ونبتة ومروي، إلى ضفاف النيل وتخوم الصحارى والسهول، ظل هذا البلد يصوغ فسيفساء إنسانية نادرة، لا تزيدها المحن إلا تماسكاً.

ومن جانبه، جدد مدير مكتب اليونسكو في السودان، أحمد جنيد، التزام المنظمة بمواصلة دعم جهود حماية التراث وتأهيل المتحف القومي، وصولاً إلى إنشاء عرض متحفي يواكب أحدث المعايير العالمية. كما كشف عن تدريب نحو 500 من العاملين في المؤسسات الحكومية، لتعزيز الوعي بقيمة الآثار وسبل حمايتها ومكافحة تهريبها، مثمناً إسهامات الوكالة الإيطالية للتنمية، ومعرباً عن أمله في أن يستعيد المتحف مكانته بوصفه نافذة مشرقة على حضارة السودان، ورافعة لتنشيط السياحة الثقافية.

 

وربما لا تُقاس انتصارات الأمم دائماً بما تستعيده من أراضٍ، بل بما تنجح في إنقاذه من ذاكرتها. فكل تمثال يعود إلى موضعه، وكل مخطوطة تنجو من الضياع، وكل متحف ينهض من تحت غبار الحرب، هو إعلان جديد بأن السودان، مهما أثقلته الجراح، ما زال قادراً على أن يحرس تاريخه بيد، ويبني مستقبله باليد الأخرى، لأن الحضارة التي عاشت آلاف السنين تعرف جيداً كيف تنتصر على الخراب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوي محمي