من الخرطوم.. شرق دارفور تفتح نافذة العودة: «الصحة رغم الحاصل.. لازم نواصل»

الخرطوم/ خالد الفكي
في الخرطوم، حيث تحمل الولايات جراحها بعيداً عن مدنها وقراها، وتستعيد مؤسساتها أنفاسها في انتظار العودة، كان لشرق دارفور موعد مختلف مع الوفاء.
في مقر حكومة الولاية بالعاصمة، لم يكن الاحتفال مجرد مناسبة لتكريم وزير الصحة الاتحادي، البروفيسور هيثم محمد إبراهيم، بل بدا أقرب إلى رسالة تختصر صمود ولاية أنهكتها الحرب، لكنها لم تسمح لها بأن تطفئ آخر مصابيح الأمل.
وبين كلمات التكريم وملامح المسؤولين، حضرت شرق دارفور بكل ما تحمله من ذاكرة الحرب، وأعباء النزوح، وتحديات الخدمة، وأحلام العودة. ومن قلب المشهد، أكدت وزارة الصحة الاتحادية التزامها بمواصلة دعم الولاية، وإيصال الإمداد الدوائي والخدمات الصحية إلى مواطنيها، أينما كانوا.

وقال وزير الصحة الاتحادي إن «العودة إلى شرق دارفور قادمة»، مؤكداً أن الاستعداد لها ينبغي أن يبدأ من الآن، لا بعد أن تنتهي الحرب. وأعلن عن خطط لتأسيس مستشفى الضعين عقب التحرير، بما يواكب مرحلة العودة وإعادة بناء المؤسسات الصحية التي أرهقتها سنوات الصراع.
وأكد هيثم محمد إبراهيم أن الوزارة تعمل على إيصال الدواء والخدمات الصحية إلى جميع ولايات السودان، مشيراً إلى أن الصحة ليست مجرد علاج للمرضى، بل «جسر للسلام» وأحد المفاتيح الأساسية لاستعادة الحياة الطبيعية وترميم ما أفسدته الحرب.
وأشار إلى استمرار التنسيق مع المنظمات الدولية العاملة في إقليم دارفور لتعزيز الخدمات الصحية، مؤكداً أن دعم الولايات المتأثرة بالحرب سيظل ضمن أولويات الوزارة.
وفي لحظة حملت كثيراً من الدلالات الإنسانية، أشاد الوزير بإنسان شرق دارفور، مستحضراً دوره في إسناد النازحين خلال سنوات سابقة، ومحيياً الكوادر الطبية التي بقيت في مواقعها، تؤدي رسالتها في وقت كان فيه الرحيل أسهل من البقاء.
وقال إن تلك الكوادر لم تكن تؤدي وظيفة فحسب، بل كانت تحرس ما تبقى من الحياة، وتثبت أن المستشفى يمكن أن يكون آخر مساحة آمنة حين تضيق البلاد بأهلها.
ووصف والي شرق دارفور، مولانا محمد آدم عبدالرحمن، وزير الصحة الاتحادي بأنه «ابن السودان البار»، مؤكداً أن الصحة تمثل أولوية لحكومة الولاية، رغم قسوة الحرب وتداعياتها.
وأشار الوالي إلى أن وزير الصحة الاتحادي كان أول مسؤول يزور مقر حكومة شرق دارفور في الخرطوم، معتبراً ذلك موقفاً يجسد الحضور الاتحادي إلى جانب الولاية في واحدة من أصعب مراحلها.
أما وزير الصحة بولاية شرق دارفور، الدكتور الشفيع محمد أحمد، فاختصر المشهد كله في عبارة بدت كأنها عنوان لمرحلة كاملة:
«الصحة رغم الحاصل.. لازم نواصل».
وأكد أن تكريم الوزير الاتحادي لا يمثل تكريماً لشخصه فحسب، بل هو تكريم لكل الكوادر الطبية التي واصلت أداء واجبها، رغم الحرب والنزوح وشح الإمكانات، وظلت تتمسك برسالتها في إنقاذ الإنسان.
وتزامن الاحتفال مع مشاركة وزير الصحة الاتحادي في اجتماع مجلس وزراء ولاية شرق دارفور الثاني للعام 2026، الذي ناقش تقارير أداء حكومة الولاية، خصوصاً في قطاعات الصحة، والثروة الحيوانية، والزراعة، والعون الإنساني، وصحة الوافدين، إلى جانب متابعة استمرار تقديم الخدمات الأساسية.
وفي ختام المشهد، بدا أن الرسالة الأهم لم تكن في عبارات التكريم، ولا في شهادات الوفاء، بل في ذلك الإصرار الصامت على الاستعداد للعودة.
فشرق دارفور، التي عرفت الحرب، لا تريد أن تعود إلى مدنها حاملةً الذكريات وحدها؛ بل تريد أن تعود ومعها مستشفياتها، وأطباؤها، ودواؤها، وخدماتها، وكل ما يجعل العودة حياةً كاملة لا مجرد عبور إلى مكان غادره الناس ذات يوم.
ومن الخرطوم، حيث تنتظر الولاية ساعة الرجوع، كان الوعد واضحاً: العودة قادمة.. والاستعداد لها يبدأ الآن.

