تقاريرثقافة وفنونمعرض الصور

«دن قدورة».. أسطورة (شمار)  التي  اسقطت ترسانة الجنجويد

 

 

شمار/ خالد الفكي

 

كان الغبار يملأ سماء شمار.

 

ومن خلفه، كانت عربات الدفع الرباعي المسلحة تندفع، تحمل مقاتلي مليشيا الدعم السريع ومدافعها ورشاشاتها، بينما كانت القرية الصغيرة، الواقعة على تخوم إقليم النيل الأزرق وولاية سنار، تبدو كأنها تقف وحيدة أمام آلة حرب لا تعرف الرحمة.

 

في حسابات القوة، لم تكن المعركة متكافئة.

 

على جانب، آليات قتالية حديثة ومدافع ثقيلة وأسلحة متنوعة.

 

وعلى الجانب الآخر، رجال من أبناء القرية، وأرض يعرفونها شبراً شبراً، وإرادة لا تريد أن ترى شمار تسقط.

 

ثم ظهر «دن قدورة».

 

لم يخرج من مصنع للسلاح.

 

ولم يكن قطعةً من ترسانة عسكرية متطورة.

 

كان، كما يروي سكان محليون، سلاحاً بدائياً صُنع من بقايا الحديد والسيخ.

لكن ذلك الحديد البسيط، الذي ربما لم يكن ليستوقف أحداً في ساحات الحرب الحديثة، أصبح في شمار اسماً يختصر حكاية مقاومة كاملة.

 

«دن قدورة فوق».

 

هكذا يردد أبناء القرية.

 

وهكذا بدأت الأسطورة.

 

يقول سكان محليون إن «دن قدورة» كان حاضراً في ست معارك خاضها أبناء شمار ضد مليشيا الدعم السريع، وإنه تحول إلى رمز لمقاومة تمكنت، وفق رواياتهم، من ردع المهاجمين وإجبارهم على التراجع، رغم الفارق الهائل في التسليح.

 

كان المهاجمون يأتون بالآليات.

 

أما أهل القرية، فكانوا يأتون بما توافر لهم.

 

لكن المعركة، كما يرويها سكان شمار، لم تنتهِ بالنتيجة التي كان يمكن توقعها من مقارنة بسيطة بين قوة الطرفين.

 

ففي واحدة من أكثر مفارقات الحرب إثارة، يقول الأهالي إن محاربي القرية تمكنوا من غنم سيارات دفع رباعي قتالية وعدد كبير من الأسلحة والمدافع التي كانت بحوزة المليشيا، بينها مدافع ثنائية ومدافع «23».

 

الآليات التي جاءت لتفرض الخوف، انتهى بعضها غنيمةً في أيدي من واجهوها.

 

والمدافع التي كان يُفترض أن تصنع الفارق، أصبحت، وفق روايات السكان، جزءاً من غنائم المعركة.

 

أما «دن قدورة» فظل حاضراً.

كأن المعركة لم تكن بين قطعة حديد وترسانة عسكرية فحسب، بل بين فكرتين: قوة تعتمد على ضخامة السلاح، وأخرى تراهن على قدرة الإنسان على الصمود.

 

ويحكي سكان المنطقة أن بعض عناصر المليشيا كانوا يرون «دن قدورة» في هيئة مخيفة أو «شيطانية»، قبل أن يسقط بعضهم من الدراجات النارية أو مركبات «التاتشر» أثناء المواجهات.

 

تلك روايات تنتمي إلى الذاكرة الشفوية لأهل المنطقة، حيث لا تُحفظ المعارك في خرائط العمليات وحدها، بل في الحكايات التي تنتقل من جيل إلى جيل، وتكبر كلما أعيد سردها.

 

غير أن ما لا يختلف عليه سكان شمار هو أن اسم «دن قدورة» خرج من حدود السلاح.

 

صار هتافاً.

 

ثم صار رمزاً.

 

ثم تحول إلى عنوان لمقاومة لم تبقَ محصورة في القرية.

 

ويقول الأهالي إن قرى أخرى، بينها أحمد موجي والهشابة وأم درمان فلاتة، انضمت لاحقاً إلى المواجهة، لتتسع دائرة المقاومة الشعبية في المنطقة.

وهكذا، لم تعد شمار تحكي قصة سلاح بدائي واجه سلاحاً حديثاً.

 

بل قصة مجتمع صغير وجد في أبسط ما يملك وسيلة ليقول: لن نسقط.

 

في تلك الأرض، لا تبدو الحرب دائماً كما تظهر في نشرات الأخبار.

 

فليست كل المعارك بين جيوش متكافئة.

 

وليست كل الانتصارات تُصنع داخل غرف العمليات.

 

أحياناً، تبدأ الحكاية من قطعة حديد.

 

من سيخ.

 

من ورشة بدائية.

 

من أيدي رجال لا يملكون ما يملكه خصومهم، لكنهم يملكون شيئاً آخر لا يمكن قياسه بعدد العربات أو المدافع.

 

الإرادة.

 

ولهذا، حين يهتف أبناء شمار:

 

«دن قدورة فوق»

 

فإنهم لا يرفعون اسم سلاح فحسب.

 

إنهم يستعيدون يوم واجهت قرية صغيرة ترسانةً كبيرة، ويستعيدون حكاية يقولون فيها إن المليشيا جاءت بأحدث ما لديها من آليات وأسلحة، لكنها تركت وراءها، وفق رواياتهم، سيارات قتالية ومدافع وأسلحة، بينما بقي السلاح المصنوع من بقايا الحديد والسيخ حاضراً في الذاكرة.

من الخردة بدأ.

 

ومن المعركة صار أسطورة.

 

ومن الأسطورة وُلد الهتاف.

 

«دن قدورة فوق».

 

وفي شمار، لا يزال أهلها يروون الحكاية كما لو أن الغبار لم يهدأ بعد، وكأن أصوات المعركة لا تزال تتردد بين البيوت والحقول:

 

قد تملك القوة أضخم الآليات.

 

وقد تملك المدافع الأبعد مدى.

 

لكن الأرض، حين يقرر أهلها الدفاع عنها، قد تمنحهم سلاحاً لا يُصنع في المصانع.

 

اسمه الإرادة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوي محمي