خالد عبدالعزيز يكتب..” زرعوك في قلبي “: الشجرة المنهوبة وشجي الأغصان

بعض من صفات الغادة المخضرة التي جمعت شملنا الأسري لعقود من الزمان
كتب/ خالد عبد العزيز
ممشوقة القوام رشيقة القد بعيدة مهوي القرط لونها مخضر ” لونها اخدر زرعي ” حانية الأعطاف .. هذا ليس وصف حسناء ناعسة الأجفان من بنات حواء الناضرات ولكن بعض من صفات الغادة المخضرة التي جمعت شملنا الأسري لعقود من الزمان في لهيب صيف السودان وأشعة شمسه المشرقة .. فقد نما لعلمنا من ذوي القربي وصلة الدم بان شجرة النيمة التي تقع في حوش البيت تعرضت للنهب والسرقة من بعض اللصوص في الخرطوم وقاموا ولم يبارحوها إلا وهي ساق بلا تيجان ..
ومن غرائب زمان الناس هذا ان يسرق اللصوص الاشجار وهذا الامر يتطلب ساعات طوال ففروعها ترتفع لزهاء العشرين مترا مع كثافة في الغصون والأفرع المتشابكة وتغطي بشكل كامل بعض من غرف المنزل وتقع في الفناء الخلفي للمنزل وتطل باستحياء علي دار الجيران ..
ولأسرتنا تاريخ ممتد وصلات شجية مع هذه الفاتنة .. فيمتد اصلها وزرعها في ” البيت الكبير ” لما يزيد عن السبعين عاما وقد غرسها جدي لأبي عليهما الرحمة ورضوان الله .. وصارت لعقود من الزمان جزءا لا يتجزا من ذكريات الاسرة وتحت ظلها الفسيح كانت تدور الأفراح والأتراح والبكاء والزغاريد ولنا فيها رحيق من الشجن وعبير من الحنين ..
في شجي الاشجار كما هو حالما الماثل كان نوح الشاعر المرهف جعفر محمد عثمان :
فيا ابنة الروض ماذا جرى لمغناك بعدي
مازلت وحدك إلفي ياليتني لك وحدي
هل تذكرين عهود قد عشتها في جنابك
وهل شجاك غيابي إني شج لغيابك
مازلت في البعد احيا كانني في رحابك
هذا شبابي يولي فكيف حال شبابك
لاتحزني إن تعرت لدى المصيف فروعك
او ان يبست فبانت من الذبول ضلوعك
فدون ماراع قلبي من الاسي مايروعك
انا لن يعود ربيعي لكن يعود ربيعك
عندما أبصرت عيني هذي الدنيا وعند اول الخطوات في مستهل الطفولة رايت جدتي لأبي زينب حسن وهي في مستقرها الدائم تحت ظلال شجرة النيم تستلقي علي عنقريبها وهي لها الرحمة امرأة نوبية من اقصي الشمال وكانت اول من جيلها من خبروا اللغة العربية وتحدثوا بلغة الضاد .. أرنو اليها يلونها الخمري وشلوخها المطارق وهي كانت حبوبة صارمة في التقيد بالأصول وتربية الاحفاد .. لا أذكر أبدا اني رايت جدتي بت حسن بعيدة من مستقرها تحت الشجرة إلا مرة واحدة عندما اتوا بجثمانها ولكن كنا وقتئذ حفنة من أحفادها نفترش الارض تحت ظل النيمة في ذهول لا ندرك كنه الموت ! وما هو ؟ وماذا حدث لحبوبة تلك المرأة القوية المعتدة بذاتها !!
ولسنوات ممتدة ظلت الشجرة المنهوبة وهي من اوتاد المنزل وبعض من شخوصه ومقرا للقدور ونيران ثلة من ” الكوانين ” عند يهرع الناس للبيت في الاحزان والأفراح ..
كان ابي له الرحمة يعشق الاشجار ويحكي كيف زرعت تلك الشجرة عندما اتي بها والده وهي في اناء صغير .. كانت الاشجار لوالدي بعض من روحه وذكرياته ويردد دوما ” الشجر دا إلا تقطعو بعد ما أموت ويحكي ذكريات هذه الشجرة وتلك منذ طفولته ويتذكر شقيقه منعم وشقيقاته نعمات وثريا ووالده ” ..
وعند عذوبة الطفولة وبواكير الصبا كان ظل النيمة مسرحا للهونا ولعبنا برفقة شقيقي الأكبر وأبناء الجيرة وبعض من ابناء الاهل .. وكنا نتسابق في صعود هذه الشجرة المكلومة الصابرة علي شغب الطفولة ومنها كنا نصنع النبال في مكر الطفولة البرئ ولهفة الصيد .. فهي بحق تمثل قول التجاني يوسف بشير ودعت غصن صباي تحت ظلاله ودفنت بيض سني في محرابه ..
عندما زرت المنزل العام الماضي ورايت انه صار اثرا بعد عين فقد تهدم بفعل الحرب ولم يبقي به شيئا ناهضا غير تلك الشجرة المخلصة .. فقد انتصبت مرفوعة الهامة بعدما تساقطت من حولها الجدران فكأنها كانت بفروعها المتشعبة واغصانها الباسقات نحو السماء حامية حمي البيت وحارسة لوميض الذكريات ” الشجر قرّبني منك الف عام الشجر عرفني بيك ” ..
وكانت تلك الباسقة هي من منحتني بعض اليقين وألبستني درعا من الثبات من بعد ما أبصرت حطام المنزل لانها كانت بعض من ضلوع ابي وشيئا من أوردة جدي وجدتي وأنفاس من ريحان الأعمام والعمات ..
وهكذا كلما توارينا من الاحزان بفعل الحرب والنزوح وتشتت الاهل والجيرة والصحاب أبت الحرب إلا أن ترمينا بسهامها المسمومة وتنشب باظافرها الحادة في شغاف القلب وتدمي الفؤاد بفقد اعز ما نملك من الشجن والذكريات ..
ففي ازمنة الحرب هذه فقدنا الاعز من الأحبة بفعل فراق الوطن والحي والمنزل وتباعد الاهل ايدي سبا .. ونُهبنا كل نملك في الوطن من خيرات مادية ولكن ويا للوعة الحسرة لم تسلم هذه المنازل المشيدة بعرق الكد في العمل لاجيال والصبر وجدائل من المحبة من النهب وحتي الاشجار يتم نهبها في وضح النهار وعلي مرمي حجر من قلب الخرطوم واهل الشوكة .. يا لجراءة اللصوص .. ويا لبؤس الفقر الذي صنعته ويلات الحرب اللعينة ..
كان ابي وامي يعشقان هذا البيت وأورثونا هذا العشق .. كلما طاف بذهني حال هذه الشجرة وما حاق بالبيت من خراب تتناوب علي الاحزان وفي القلب حسرة علي رحيل امي قبل اسابيع خلون في مستهل هذا العام ..
يظل الإنسان ابد الدهر وثيق الصلة بجذوره وأحاجي الاهل وسيرة العشيرة .. نحن امة ذات وجدان وعاطفة متقدة بالحكي والذكريات ، نعشق السودان بغباره ووهج شمسه الحارقة وبازماته المتناسلة وبلطف شعبه وحنو الاهل ..
عندما يرحل الأب والأم والجد والجدة تبقي منهم الذكري وهم دوما معك اينما تكون في حلك وترحالك ما بين الجوانح وفي رطيب الخاطر ..
والشجرة دوما لرمزا للأمومة والأصالة والثبات فهي بذرة انبتّت جذورا واشتد عودها فكان مخاضها أغصان وزهور ” زرعوك في قلبي يا من كساني شجون ورووك من دمي يا اللادن العرجون ”
ما اجمل العودة للبيت وما اجمل الوطن فلسوف نظل نعشقه سلما وحربا وفي كل الأوقات فنحن غصن في بستانه الزاهر ولطالما احتمينا بظل خميلته ورأفة الظلال وأطربتنا عصافيره المغردة في ثنايا الفؤاد .. وحتما لنا عودة والعود احمد ..
الشجرة مَغْفَرةٌ وسهَرٌ
لا تنام ولا تحلم لكنها تُؤتمنُ على أسرار
الحالمين، تقف على ساقها في الليل والنهار.
تقف احتراماً للعابرين وللسماء
الشجرة
صلاة واقفة تبتهل الى فوق وحين
تنحني قليلاً للعاصفة، تنحني بجلال راهبة
وتتطلع الى فوق… الى فوق. وقديماً قال
الشاعر: «ليت الفتى حجر». وليته قال:
ليت الفتى شجرة!
محمود درويش

