الموت يُغيّب الكوميديان “الدعيتر” ومازال هناك بقية ابتسامة

كتب/ محمد عبدالرحمن آدم
رحل عن دنيانا الكوميديان مختار بخيت، المشهور بـ”الدعيتر”، بأرض الحرمين، مودّعاً جموع أحبابه من عشاق الكوميديا. رحل وهو في عنفوان عطائه الفني، وترك لنا إرثاً كوميدياً ثراً وغنياً، يحمل في طياته كثيراً من الرسائل الاجتماعية، ويعالج قضايا ومفاهيم مناطقية كانت تحتاج إلى معالجات، وكان لمختار دور كبير وبارز في تبنيها والعمل على محاربتها من خلال المسرح.
مختار بخيت، ذلك السوداني البسيط “ابن البلد”، ترافقه ابتسامته الحلوة أينما حلّ وذهب، حاضر الكلمة والنكتة، يداعب الكبير والصغير، ويرسل القفشات، ويتقمص كثيراً من الشخصيات البسيطة والعامة في مواقف متعددة.
رافقته كثيراً في زيارات عمل إلى مدن وولايات السودان المختلفة شرقاً وغرباً، جنوباً وشمالاً، وكان “الدعيتر”، كما عهدناه، يجتمع حوله الكثيرون، ويتسابق إلى مشاهدته الناس من مختلف الأعمار، صغاراً وكباراً. ومن خلال خشبة المسرح، كان مختار يضيف أبعاداً جميلة وكلمات لا توجد إلا في قاموسه الكوميدي، ويتحف الجمهور بذوقه الراقي ولسانه الطيب، فتنساب ضحكاتهم بشغف ومتابعة. وكان صاحب مقدرات عالية في المحاكاة وتقمص أدوار شخصيات المجتمع كافة، بلغة الشارع و”الرندوك”، ويضيف إليها مرحه المعهود وذوقه المحمود. وهكذا ظل مختار حاضراً، ظاهراً، ولامعاً في كل أعماله الدرامية، حتى إن كثيراً من الأعمال تجده فيها ملكاً متوجاً بحسن اختياره وسلامة تواصله مع جمهوره الكبير والمتنوع.
كان مختار مدرسة فنية فرضت أسلوبها وإيقاعها السحري على خشبة المسرح؛ عاطفة ملتهبة، وحنية متفردة، وتعليم راقٍ، وتوعية واضحة، وجمال يأسر النفوس ويجذب المتلقي. وكان يبادر جمهوره بلونيته الخاصة التي أصبحت علامة باسمه، ورقماً برسمه، وإحساساً بفنه.
ومختار “الدعيتر”، الذي استلهم شخصيته من بيئته في ديار المسيرية، حمل تلك الشخصية الكوميدية، فصاغها بحسه الفني، وزيّنها بجماليات لغة أهله المسيرية، وتخطى بها حواجز المسافات والحدود الجغرافية، ونقلها إلى كل ربوع السودان في تجربة تُحسب له. وكانت “الدعيتر” الشخصية المحورية والعلامة الكوميدية الخاصة به، لازمته في مشواره الإبداعي، فكانت فتحاً فنياً مميزاً، كما أسهمت في توثيق حياة أهله المسيرية، وتجسيد البيئة واللهجات، والإنتاج والاقتصاد، والتاريخ والجغرافيا، وإرث البقارة الراحلين بدوابهم، في ثوب الإعلام الشعبي والأدب المحلي الخاص بحواضنهم الزراعية والرعوية، وكأنه أعاد كتابة تاريخهم من جديد عبر خشبة المسرح وعدسة الكاميرا. فكان “الدعيتر” رحلة لإحياء التراث والمكان والزمان في لوحة فنية كوميدية زاهية.
كان مختار بخيت إنساناً بسيطاً، يفرض عليك مودته بأدبه وذوقه وحسن تعامله؛ أخو أخوان، و”ود بلد” أصيل، سوداني قح، يحمل كل سمات الوطني والنجم المجتمعي والفنان الراقي الرزين.
كما كان لماحاً، لبقاً، حاضر الذهن، متقد الذاكرة؛ في كثير من الأعمال كان يبهر أصحاب الرسالة بفهمه العميق لما يريدون توصيله للجمهور، كما يدهش الحضور بإضافاته المبتكرة ولمساته الخاصة.
نرسل التعازي لزوجته، مدام خنساء، وابنه البكر محمد، وبقية أبنائه، وأهل بيته الكبير، كما نعزي قبيلة الدراميين والصحفيين، وأسرة الإعلام في كل الأجهزة الإعلامية، وكل محبيه.
ختاماً، نسأل الله أن يتغمد أخانا مختار بخيت بواسع رحمته، وأن يسكنه الجنة ونعيمها، وأن يكون في سدر مخضود، وطلح منضود، وماء مسكوب، وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة.
ومختار، كما يحلو لنا أن نناديه “مخو”، ستظل في الخالدين. والحمد لله على أمر الله، وإليه التوبة والأوبة، ومنه اليقين.

