وزارة التربية والتعليم الوطنية الاتحادية… التربية قبل التعليم

سعن نديان
كتب/ خالد جبريل
في برنامج عالم الرياضة، ومع المبدع دومًا الأستاذ عثمان حسن مكي، كنا نتابع تقارير القامة الأستاذ عبدالرحمن عبدالرسول، وأكثر ما رسخ في ذهني المثل أو القول المأثور: “العقل السليم في الجسم السليم”. وإن إمكانيات عقولنا في الواقع تعتمد على توفير التغذية الكافية وتعزيز نظامنا الغذائي بالأطعمة المفيدة، مما يحسن أداء التعلم العقلي عدة مرات.
ومعلوم دور النظام الغذائي في تعزيز إمكانيات التعلم المفيد؛ حيث تنتج الخلايا الطاقة اللازمة لجميع مهامنا اليومية، ويكون نشاط الطالب وتركيزه أفضل بكثير عندما يتغذى جيدًا. وهذا بدوره يحسن إمكانات التعلم، ويؤدي إلى النجاح وإحراز نتائج مبهرة.
ونجد أن أهمية الغذاء السليم تكمن في أنه ينمّي ويعزز المناعة، ويدعم الوقاية من الأمراض، حيث تنتج الخلايا الطاقة اللازمة لجميع مهامنا اليومية، وأيضًا لمواجهة الظروف غير المتوقعة. فالتغذية الجيدة تضمن بناء مناعة كافية لمحاربة الأمراض، وعندما يكون الجسد خاليًا من المرض، يمكن للعقل التفوق في الأداء الأكاديمي والتحصيل الدراسي.
تُظهر العديد من الدراسات أن الحالة التغذوية يمكن أن تؤثر بشكل مباشر على القدرة العقلية لدى الطالب في سن المدرسة. فعلى سبيل المثال، نقص الحديد، حتى في مراحله المبكرة، قد يقلل من انتقال الدوبامين، وبالتالي يؤثر سلبًا على الإدراك. كما أن نقص الفيتامينات والمعادن الأخرى، وخاصة الثيامين، وفيتامين (هـ)، وفيتامينات (ب)، واليود، والزنك، يؤدي إلى تثبيط القدرات المعرفية والتركيز العقلي.
بالإضافة إلى ذلك، يمكن لمكملات الأحماض الأمينية والكربوهيدرات أن تحسن الإدراك والحدس والاستدلال. وهناك أيضًا عدد من الدراسات التي تُظهر أن تحسين تناول المغذيات ينعكس إيجابًا على القدرة المعرفية ومستويات الذكاء لدى الأطفال في سن المدرسة.
إن توفير نظام غذائي متوازن يسهم في خلق سلوك إيجابي وبيئة تعلم أفضل، كما تساعد التغذية الجيدة الطلاب على الحضور إلى المدرسة وهم على أتم الاستعداد للتعلم والاستيعاب. ونظرًا لأن التغذية السليمة تجعل الطلاب أكثر صحة ونشاطًا، فإن احتمالات غيابهم تقل، ويصبح حضورهم للفصول أكثر انتظامًا. وتشير الدراسات إلى أن سوء التغذية يؤدي إلى مشاكل سلوكية وبدنية متعددة.
أما الآن، فإن طلاب وطالبات جنوب دارفور، النازحين من مناطق سيطرة المليشيا، قد عانوا الأمرّين في الطريق؛ حيث تُصادر ممتلكاتهم ولا يُترك لهم شيء، وقد يقضي الطالب أيامًا دون طعام إلا على تمرات قليلة. ومع تعب السفر، وإرهاقه، ورمال الصحراء، وحرارة الطقس، يتعرض بعضهم للحمى، في ظل غياب الراحة البدنية والتغذية الجيدة بسبب الظروف القاسية التي فُرضت عليهم قسرًا.
إن وصول الطالب إلى نُزل الامتحانات في الدامر وعطبرة يُعد في حد ذاته إنجازًا، ودليلًا على عزيمة لا تلين، رغم ما واجهوه من ترصّد واعتقالات وإذلال. وكان الأولى بوزارة التربية والتعليم الاتحادية أن تكون في مقدمة المستقبلين لهؤلاء الطلاب، الذين يخوضون معركة العلم في وجه الجهل.
ومن المؤسف جدًا أن تتجاهل وزارة التربية الاتحادية قضية إعاشة طلاب ولاية جنوب دارفور، هؤلاء الشباب والشابات الأبطال، الذين يزيد عددهم على 1700 طالب وطالبة. كان الأجدر بوزارة يفترض أن ترعى أبناءها أن توفر لهم الطعام والاحتياجات الأساسية، كما يفعل الأب مع أبنائه، لكن يبدو أن هؤلاء الطلاب لا يمثلون أولوية في أجندة الوزارة، وهو ما يتجلى في عدم الالتزام بتوفير معاشهم، وتركهم يواجهون المعاناة وحدهم.
لقد خرج هؤلاء الطلاب من بطش المليشيا إلى واقع ظنوه آمنًا، فإذا بهم يواجهون إهمالًا وتجاهلًا وتجويعًا من جهة كنا نأمل أن تكون أكثر حرصًا عليهم. وهل نسي المسؤولون أن هذه الامتحانات قضية قومية واستراتيجية؟ وأن هناك من يتربص بفشلها؟ لكن، رغم كل ذلك، نقول لهم: خاب ظنكم.
ومن هنا، أقول لوزير التربية والتعليم الاتحادي: إن الأجيال الحاضرة والمقبلة ستسجل هذا الموقف في ذاكرة التاريخ. لسنا نستجدي حق طلابنا في الطعام والشراب، بل هو حق أصيل واجب التنفيذ، بل ويستوجب الاعتذار.
ننتظر أن تأتي—even متأخرًا—فذلك خير من الغياب.
الشكر لحكومة ولاية نهر النيل، وشعبها، ومؤسساتها المدنية والعسكرية، وأحياء عطبرة والدامر، ومنظمات المجتمع المدني، الذين سدوا الفجوة وغطوا تقصير الوزارة بدعمهم المتواصل لهؤلاء الطلاب. جزاهم الله خيرًا.
اللهم إني قد بلّغت، فاشهد.
اللهم فرّج.

