حوارات ومقالات

خالد الفكي يكتب: “سابا”.. أكثر من قصة للتعافي

 

من حروفي

 

 

بقلم / خالد الفكي

 

في الحروب، لا تُقاس قيمة المؤسسات بما تملكه من مبانٍ وأجهزة، وإنما بقدرتها على إبقاء نافذة الأمل مفتوحة حين تُغلق النوافذ. وفي السودان، حيث ألحقت الحرب أضراراً بالغة بالبنية الصحية، برزت رابطة الأطباء السودانيين في الولايات المتحدة الأمريكية «سابا» باعتبارها نموذجاً يتجاوز الإغاثة الطارئة إلى المساهمة في استعادة قدرة النظام الصحي على العمل والتعافي.

ما يميز تجربة «سابا» ليس حجم المساعدات وحده، وإنما طبيعة التدخل. فقد اتجهت إلى إعادة تأهيل وصيانة مرافق صحية استراتيجية، وإعادة تشغيل خدمات حيوية، وفق مقاربة تقوم على سرعة الاستجابة، وتحديد الأولويات، وتوجيه الموارد إلى المواقع الأكثر احتياجاً وتأثيراً.

في الخرطوم، شملت الجهود  علي سبيل الذكر مستشفيات بحري، والحاج الصافي، وأحمد محمد الأمين للأطفال، وجبل أولياء، بما يؤكد أن إعادة تشغيل المنشآت ذات الكثافة الخدمية تمثل نقطة ارتكاز في التعافي الصحي. وكان استئناف العمليات بمستشفى جبل أولياء التعليمي، وتسجيل أول ولادة قيصرية فيه منذ اندلاع الحرب، بعد تأهيل قسم العمليات وصيانة المعدات وتوفير الأجهزة الطبية، أكثر من إنجاز طبي؛ فقد كان مؤشراً على عودة الحياة إلى مؤسسة عانت من آثار الحرب.

وفي الجنينة، امتدت التدخلات إلى مستشفى الجنينة التعليمي، ومركز غسيل الكلى ومحطة الأكسجين. وهنا تتضح الأهمية الاستراتيجية لإعادة التأهيل؛ فإصلاح جهاز غسيل الكلى، بالنسبة للمريض، لا يعني استعادة خدمة طبية فحسب، بل استعادة فرصة للبقاء.

أما في بورتسودان، فقد استفاد 367 شخصاً من خدمات التوعية والعلاج المجاني في مجال صحة الفم والأسنان، بالتعاون مع كلية طب الأسنان بجامعة البحر الأحمر، في نموذج يجمع بين الخدمة المباشرة وبناء الشراكات المحلية.

لكن الرؤية الأبعد لتجربة «سابا» تكمن في انتقالها من إدارة الطوارئ إلى المشاركة في صناعة التعافي. فمساهمتها في إجازة الخطة الاستراتيجية الوطنية لتعافي النظام الصحي 2026–2030 تعكس إدراكاً بأن إعادة بناء القطاع الصحي ليست مشروعاً لإصلاح المباني والمعدات فقط، بل عملية لإعادة بناء القدرات البشرية، وسلاسل الإمداد، ونظم الطوارئ، والحوكمة الصحية، والشراكات المؤسسية.

ومن هذه الزاوية، لا ينبغي النظر إلى «سابا» بوصفها بديلاً عن الدولة، وإنما شريكاً في استعادة وظائفها الأساسية. فالتعافي المستدام يتطلب تكامل أدوار الحكومة، والمنظمات الطبية، والقطاع الخاص، والجامعات، والمغتربين، والشركاء الدوليين ضمن رؤية وطنية واحدة.

السودان بعد الحرب لن يحتاج إلى مستشفيات جديدة فقط، بل إلى نظام صحي أكثر صموداً وقدرة على الاستجابة للأزمات. وكل غرفة عمليات تعود للعمل، وكل جهاز غسيل كلى يُستعاد، وكل طفل يتلقى العلاج، وكل أم تضع مولودها بأمان، يمثل لبنة في مشروع أكبر: تعافي السودان وبناء دولة أكثر قدرة على حماية حياة مواطنيها.

وحين تتحول الأيادي البيضاء إلى عمل مؤسسي مستدام، فإنها لا تعيد تشغيل المستشفيات فحسب، بل تعيد تشغيل الأمل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوي محمي