عائشة الفلاتية.. صوت تحدّى القيود وعاد ليجمع الوجدان السوداني في أم درمان

منتدى الرواد يستعيد سيرة رائدة الغناء النسائي..
مختار دفع الله: نطلق حراكاً ثقافياً لترميم ما مزقته الحرب
أم درمان/ خالد الفكي
في أمسية امتزج فيها عبق الماضي بأحلام التعافي، استعاد مركز الفضاء العالمي الثقافي، بالتعاون مع اتحاد المهن الموسيقية، سيرة الفنانة الراحلة عائشة الفلاتية، إحدى أبرز رائدات الغناء السوداني، وذلك خلال فعالية «منتدى الرواد»، التي استضافتها حديقة بحي الأمراء العريق، جوار قبة الشيخ البدوي، عصر السبت، في احتفاء بتجربتها الفنية ودورها في فتح الطريق أمام المرأة السودانية إلى عالم الغناء.
ولم تكن الأمسية مجرد استعادة لأغانٍ خالدة أو استحضار لذكريات الزمن الجميل، بل حملت رسالة ثقافية تتجاوز الاحتفاء بالماضي إلى استنهاض دور الفن في استعادة التماسك الاجتماعي وترميم الوجدان السوداني الذي أنهكته الحرب.

وقال الأمين العام لمركز الفضاء العالمي الثقافي، الشاعر مختار دفع الله، إن المركز عازم على إطلاق حراك ثقافي وأدبي وفني شامل، يستهدف معالجة التداعيات السلبية للحرب، وترميم ما أحدثته من تصدعات في الوجدان السوداني، مؤكداً أهمية الثقافة والفنون في استعادة الروابط الإنسانية وتعزيز الوعي الوطني.
ورحّب دفع الله بالحضور، قائلاً: «باسمي وباسم الأستاذ عادل سنادة وكافة منسوبي مركز الفضاء العالمي الثقافي، أرحب بكم في هذه الباحة العامرة في هذا الغروب السوداني البديع»، مشيراً إلى أن المنتدى استُهل بفقرة غنائية للفنانة منار، التي قدّمت أداءً وصفه بأنه انسيابي وعذب، كخيوط الحرير.
الفلاتية.. الغناء شجاعة
واستعاد المنتدى المسيرة الفنية لعائشة الفلاتية، التي برزت في مرحلة كانت فيها نظرة المجتمع إلى الغناء محفوفة بالقيود، لتصبح واحدة من الأصوات النسائية التي أسهمت في تغيير تلك النظرة، ومهّدت الطريق لأجيال من المطربات السودانيات.
وأوضح دفع الله أن الفلاتية تنتمي إلى الرعيل الأول من الفنانات اللاتي وضعن اللبنات الأولى لتجربة الغناء النسائي في السودان، مستعرضاً التحولات الاجتماعية التي شهدها الوسط الفني، من النظرة السلبية إلى المغني في مراحل سابقة، إلى المكانة التي اكتسبها الفنانون مع بروز أجيال اتسمت بالأناقة والالتزام، من بينها جيل أحمد المصطفى وعثمان الشفيع.
وأشار إلى أن دخول المرأة مجال الغناء مثّل تحدياً اجتماعياً كبيراً، خاضته رائدات من بينهن مهلة العبادية وسعاد العوامية وعائشة موسى، مستحضراً كذلك دور حاجة الشوبلي بت حلو، صاحبة صالون «فوز»، الذي احتضن رموز الحركة الوطنية، وارتبط اسمه بكتابة النشيد الوطني «عزة في هواك» عام 1919.
ذاكرة التراث
وسلّط دفع الله الضوء على تجربة الفلاتية الفنية، وعلاقتها بالشاعر علي محمود التنقاري، مشيراً إلى أنها لم تكن مجرد مؤدية للأغنيات، بل ارتبط اسمها أيضاً بالتأليف الفني، وقدّمت أعمالاً جسّدت الوجدان الوطني والشعبي.
ومن أبرز تلك الأعمال أغنية «الوعيدين»، التي ارتبطت بوداع الجنود السودانيين المتجهين إلى جبهة كرن بإريتريا خلال الحرب العالمية الثانية، إلى جانب إسهامها في إحياء التراث الغنائي السوداني من خلال أعمال من بينها «يا سمسم القضارف».

وخلال الأمسية، ترددت الحكايات عن تجربة الفلاتية وريادتها، واستُحضرت أغنياتها بوصفها جزءاً من الذاكرة الفنية السودانية، فيما جمع الحضور فنانون ومثقفون وشباب، التقوا حول سيرة فنانة تجاوز أثرها حدود التجربة الغنائية إلى التحولات الاجتماعية التي صنعت تاريخاً جديداً للمرأة في المجال الفني.
وبين حكايات الريادة وأصداء الأغنيات، بدت سيرة عائشة الفلاتية شاهداً على قدرة الفن على تجاوز القيود الاجتماعية وصناعة التحولات، فيما حمل المنتدى رسالة مفادها أن استعادة الذاكرة الثقافية ليست استدعاءً للماضي فحسب، بل خطوة نحو إعادة بناء الحاضر، وترميم ما أفسدته الحرب، وفتح نوافذ جديدة للأمل في مستقبل السودان.

