من شدة إلى شندي… عبدالملك محمد نور، حكاية أخوة لا تنتهي

كتب/ السمؤل محمد إبراهيم
*رحمك الله يا عمي الغالي، يا أخ أبي الذي لم تلده جدتي، ويا توأم روحه ورفيق عمره ودربه.*
ما ذكر العم عبدالملك إلا حضرت سيرة والدي، وما ذكر والدي إلا جاء عبدالملك في إثره؛ كأنهما اسمان كتبهما الوفاء في صفحة واحدة، وكأن العمر، بكل ما حمل من أفراح وأتراح رفض إلا أن يجمع بينهما في الذاكرة كما جمع بينهما في الحياة. واليوم، حين غيب الموت العم عبدالملك محمد نور، لم نفقد رجلا من أهلنا فحسب، بل انطوت صفحة عزيزة من تاريخ الأخوة الصادقة، وامتد الحزن إلى قلب والدي، الذي فقد أخ وصديق ورفيق درب شاركه العمر في محطاته الأولى، وظل حاضر في وجدانه حتى آخر الحكاية. رحلت يا عم عبدالملك، وبقيت في قلب أبي أخ لا تعوضه الأيام، ورفيق لا تملأ مكانه الوجوه، وذكرى كلما مرت على الخاطر أيقظت في النفس زمن جميل من المحبة والمروءة وصدق العشرة.
هناك، في شياخة شدة، حيث تتشكل ملامح الرجال في بساطة الحياة الأولى، عاش عبدالملك وأبي طفولتهما وصباهما معا؛ تقاسما الأيام، وتشابكت خطواتهما، ونمت بينهما أخوة لم تكن تحتاج إلى عهد مكتوب، لأن العشرة نفسها كانت عهدا، والوفاء كان لغتهما المشتركة. ثم مضى عبدالملك في مطلع شبابه إلى شندي، والتحق بالقوات المسلحة في القيادة الشمالية، فابتعد الجسد، لكن القلب الذي تركه خلفه ظل يستدعي رفيقه. ولم يحتمل أبي طويلا فراق أخيه وصديق عمره، فما لبث أن لحق به، والتحق هو الآخر بالقوات المسلحة في القيادة الشمالية بشندي. وكأن بين الرجلين موعدا لا تبطله المسافات، ورابطة لا تقوى الأيام على فكها. غير أن دروب الحياة العسكرية أخذت كل منهما في اتجاه. تنقل أبي في سلك الجندية، حتى انتهى به المطاف في القيادة العامة بالخرطوم، ضمن كتيبة الإدارة، بينما ظل عبدالملك وفيا لشندي، محبا لترابها، مخلصا لمهنته العسكرية، حتى غدت المدينة جزء من سيرته، وغدا هو أحد رجالها الذين يشار إليهم بالبنان.
لم يكن العم عبدالملك عسكري يرتدي الزي فحسب، بل كان عسكري في انضباطه، ورباطة جأشه، وحزمه، ودقة أدائه؛ رجل يعرف أن الجندية مسؤولية قبل أن تكون رتبة، وأن هيبة العسكري لا تصنعها الأوامر وحدها، وإنما يصنعها السلوك والقدوة والالتزام. تدرج في الرتب العسكرية من جندي يؤدي واجبه بإخلاص، حتى بلغ رتبة الملازم، في مسيرة استثنائية تروى باعتزاز، وتكشف عن رجل شق طريقه بالكفاءة والانضباط والجدارة. وكان من أولئك الرجال الذين لا ترفعهم الرتب وحدها، بل يرفعون قيمة الرتبة بما يحملونه من خبرة وخلق وإخلاص. وقد عرف العم عبدالملك بين رجال القيادة الشمالية بتميزه في التدريب الميداني، ولا سيما التدريب على الأسلحة، وفكها وتركيبها، حتى غدا مرجع في مجاله، ومدرب تخرج على يديه كثير من ضباط الصف والجنود، وعدد من الضباط الذين مضوا لاحقا إلى مواقع قيادية. وهكذا لم تكن خبرته محصورة في سنوات خدمته، بل امتد أثرها إلى الرجال الذين علمهم، والمهارات التي غرسها فيهم، والقيم التي جسدها أمامهم. إن بعض الرجال ينتهي عطاؤهم بانتهاء خدمتهم، أما الرجال الكبار فيتركون من خبرتهم وأخلاقهم ما يظل حيا بعد رحيلهم. والعم عبدالملك من هؤلاء؛ رجل علم بالفعل قبل القول، وربى على الانضباط بالقدوة قبل التوجيه، وترك في ذاكرة المؤسسة العسكرية سيرة تستحق الاحترام والتقدير. أحب عبدالملك شندي حب صادق، فعاش فيها عمر من العمل والعطاء، وعرفه أهلها، وعرفه ضباطها وضباط صفها وجنودها، كما عرفه الناس في مجالسهم ومناسباتهم. وكان يعرف بينهم بالمحسي، اعتزازا بأصله وانتمائه إلى قبيلة المحس، التي ظل يفخر بها، دون أن ينتقص اعتزازه بأصله من محبته للمدينة التي احتضنته وصارت جزءا من هويته ووجدانه. لقد جمع العم عبدالملك بين الوفاء للأصل والانتماء للمكان؛ فكان ابن بار بجذوره، ورجل مخلص للمدينة التي عاش فيها، حتى أصبح اسمه مألوف في أوساطها، وسيرته جزءا من ذاكرة أهلها. وما أجمل أن يرحل الإنسان وقد ترك في المكان الذي عاش فيه أثر، وفي نفوس الناس محبة، وفي المجالس سيرة طيبة لا تحتاج إلى تكلف كي تروى.
لم يكن العم عبدالملك رجل تصنعه ميادين العسكرية وحدها؛ فقد كان في حياته الاجتماعية رجل بر وإحسان، واصل لرحمه، سباق إلى الخير، كريم النفس واليد، شجاع في المواقف، خدوم لا يتأخر عن واجب، وهميم تعلو همته حين يناديه الواجب. كان حاضر في الأفراح، كما كان حاضر في الأتراح؛ يصل رحمه، ويتفقد أهله، ويشارك الناس أحوالهم، ويقف إلى جوارهم حين تضيق السبل. وكانت له مروءة الرجال الذين لا ينتظرون دعوة كي يؤدوا واجب، ولا يبحثون عن ثناء كي يصنعوا معروف، ولا يقيسون صلات الرحم بما يأخذون، بل بما يمنحون.
وفي شدة وارتمري والبركة سيبقى عبدالملك ذكرى رجل بار بأهله، موصول برحمه، صاحب رأيٍ سديد ومشورة صادقة، إذا حضر أضاف إلى المجلس وقار، وإذا تكلم أنصت له من يعرفون قيمة الحكمة، وإذا غاب افتقده الناس لأن حضوره لم يكن عابر في حياتهم. كان من أولئك الرجال الذين لا تقاس مكانتهم بما يملكون، بل بما يبذلون؛ ولا بما يقولون عن أنفسهم، بل بما يقوله الناس عنهم بعد أن يغادروا المجالس. والعم عبدالملك، في سيرته ومواقفه، كان عنوان للوفاء، ووجه من وجوه الشهامة، واسم ارتبط في ذاكرة أهله بمعاني البر والكرم وصلة الرحم.
يا أبي، أعلم أن رحيل عبدالملك ليس خبر وفاة يمر على القلب ثم يمضي؛ إنه رحيل قطعة من العمر، وغياب شاهد على طفولة وصبا، ورفيق حمل معك ذكريات الطريق من شدة إلى شندي، وشاركك أيام الجندية، وعرف منك ما لا يعرفه الآخرون، وعرفت منه ما لا تبوح به إلا سنوات العشرة الطويلة. وإن اشد الفقد وجعا أن ترحل الوجوه التي تحفظ بداياتنا، وتحمل في ذاكرتها ملامحنا الأولى، وتعرف حكاياتنا قبل أن يعرفنا العالم. وحين يرحل رفيق الدرب، لا نفقده وحده؛ بل نفقد معه بعض تفاصيلنا، وشيئا من زمننا الأول، وصوت كان إذا ذكر الماضي أعاده حي أمامنا. لكن عزاءك، يا أبي، أن عبدالملك لم يكن رجل مر في الحياة ثم انقضى أثره؛ لقد عاش بين الناس كريم، وخدم وطنه بإخلاص، وترك في أهله وأصدقائه وتلاميذه وزملائه من المحبة والذكر الحسن ما يخفف شيئا من وحشة الرحيل. وستظل سيرته حاضرة كلما ذكرت شندي، وكلما استعيدت أيام القيادة الشمالية، وكلما اجتمع الأهل فتحدثوا عن رجال كانت مروءتهم أكبر من الكلام، وكانت أخوتهم أصدق من المسافات. رحم الله أخاك وصديقك ورفيق دربك يا أبي، وجبر قلبك جبرا يليق بصبرك، وأمدك بالصحة والعافية، وجعل ذكرياتكما الجميلة أنس لقلبك، وذكره الطيب عزاء لك في غيابه.
رحل الأب الذي كانت كلمته سند، ونصيحته ضوء، وحكمته ملاذ، وحضوره طمأنينة في قلوب أبنائه وبناته وأحفاده. وإن فراغ يتركه رجل كهذا لا تملؤه الكلمات، لكن ما يخفف وطأته أنه ترك خلفه سيرة كريمة، وأثر طيب، ومحبة تتجاوز حدود البيت إلى الأهل والأصدقاء وشندي التي أحبها. فيا أبناء العم عبدالملك وبناته وأحفاده، إن أباكم لم يرحل من ذاكرة الناس؛ لقد ترك لكم إرث لا تقدره الأموال : سيرة رجل عرف بالانضباط والشهامة، والكرم وصلة الرحم، والوفاء لأهله ووطنه. فاحتفظوا بهذا الإرث، واجعلوا من محبة الناس له عزاء، ومن دعائهم له زاد، ومن أخلاقه التي عرفوها طريق تمضون عليه.
اللهم يا واسع الرحمة، يا عظيم المغفرة، يا من وسعت رحمتك كل شيء، نسألك في هذا المصاب الجلل أن ترحم عبدك عبدالملك محمد نور رحمة تطمئن بها روحه، وتؤنس بها وحشته، وتنير بها قبره، وترفع بها درجته في المهديين. اللهم اغفر له مغفرة تمحو بها خطاياه، وتبدل بها سيئاته حسنات، وتجعله في زمرة عبادك الصالحين. اللهم أكرم نزله، ووسع مدخله، وآنس وحشته، ونوّر مرقده، وافتح له باب إلى الجنة لا يغلق، واجعل قبره روضة من رياض الجنة، لا حفرة من حفر النار.
اللهم إنه قد أحسن إلى أهله، ووصل رحمه، وأكرم ضيفه، وخدم وطنه، وأفنى من عمره أعوام في أداء واجبه؛ فاجعل ما قدم من خير في ميزان حسناته، وما غرس من علم وخبرة وأثر طيب صدقة جارية له إلى يوم الدين. اللهم اجزه عن أهله وأصدقائه وزملائه وتلاميذه خير الجزاء، واجعل كل دعوة صادقة تخرج من قلب أحبه نور يبلغه، ورحمة تتنزل عليه. اللهم ارحم شبابه وكهولته، وأيامه التي قضاها في خدمة وطنه، وخطواته التي سلكها في ميادين الواجب، واجعل إخلاصه وعمله الصالح شاهدين له لا عليه. اللهم اجعل ما عرف به من انضباط ومروءة وكرم وصلة للرحم في صحيفة حسناته، وتجاوز عنه بعفوك، وأكرمه برضاك، وأدخله الجنة بغير حساب ولا سابق عذاب.
اللهم اربط على قلب والدي، وألهمه الصبر والسلوان، وعوضه عن أخيه ورفيق عمره بلطف من عندك، واجعل ذكرياتهما الطيبة باب للرضا والسكينة. اللهم أطل عمر أبي في صحة وعافية، وأحسن عمله وخاتمته، ولا تره في نفسه ولا فيمن يحب مكروها. اللهم أنزل على أبناء عبدالملك وبناته وأحفاده سكينة من عندك، وأفرغ عليهم صبر جميل، واجبر كسر قلوبهم، وآنس وحشتهم، واربط على أفئدتهم، واجعلهم خير امتداد لأبيهم في صلاحه ومروءته وكرمه. اللهم اجمعهم به في جنات النعيم، حيث لا فراق ولا حزن ولا وجع، واجمع شمل أهلنا وأحبابنا على الخير والمحبة، وارحم موتانا وموتى المسلمين أجمعين.
اللهم اجعل ذكراه في القلوب حياة، وسيرته بين الناس عطر لا يزول، واجعل محبة الناس له شاهد خير ودعاء ورحمة، ولا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده، واغفر لنا وله.

