حوارات ومقالاتشؤون دولية

السودان بين الحراك السياسي والدبلوماسي وفرص تعزيز السلام

 

 

 

كتب/ سعد محمد عبدالله

 

 

تشهد الساحة السودانية حراكًا دبلوماسيًا وأمنيًا تخلله إهتمام إقليمي ودولي بمستقبل البلاد في ظل الحرب وتداعياتها السياسية والإنسانية، وفي هذا الخصوص، تبرز مشاركة مدير جهاز المخابرات العامة، الفريق أحمد إبراهيم مفضل، في الإجتماع رفيع المستوى لرؤساء وكالات مكافحة الإرهاب والأمن في إفريقيا «منصة مراكش» بالمملكة المغربية، باعتبارها خطوة مهمة نحو تعزيز التعاون الأمني وتبادل الخبرات والتقديرات الإستراتيجية بشأن التحديات التي تواجه القارة الإفريقية، وتأتي هذه المشاركة في وقت تتزايد فيه المخاوف من إنعكاسات النزاعات المسلحة على الأمن الإقليمي، الأمر الذي يجعل التنسيق المشترك بين الدول ضرورة ملحة لمواجهة المخاطر العابرة للحدود؛ كما تتزامن هذه التحركات مع نقاشات متقدمة داخل الأوساط السياسية الأمريكية بشأن مشروع قانون يهدف إلى إدراج مليشيا الدعم السريع ضمن قوائم الإرهاب، إستنادًا إلى حيثيات موثقة تتعلق بالفظائع التي إرتكبتها خلال الحرب، وتشير هذه التطورات إلى أن الملف السوداني لم يعد شأنًا داخليًا فحسب، بل أصبح جزءًا من معادلات الأمن والإستقرار الإقليمي والدولي، وهو ما يفرض على مختلف الأطراف السودانية إستيعاب المتغيرات الجديدة ورسم خارطة المستقبل مع تجنب تكرار الأخطاء والعمل على بناء مقاربات سياسية وأمنية قادرة على بلورة رؤية وطنية لحماية مصالح البلاد وتعزيز فرص الإستقرار المستدام.

 

في الإطار ذاته، تتواصل الجهود الإقليمية والدولية الرامية إلى دفع مسار السلام في السودان ومعالجة التداعيات الإنسانية المتفاقمة جراء النزاع، وقد برز ذلك من خلال اللقاء الذي جمع سفير السودان لدى جيبوتي، محمد سعيد، بالسكرتير التنفيذي للهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيقاد)، ورقني قبيهو، حيث تناولت المباحثات تطورات الأوضاع الإنسانية وأهمية تكثيف الدعم للمجتمعات المتأثرة بالحرب، وأكدت «إيقاد» إلتزامها بمواصلة دعم المبادرات الرامية إلى تحقيق السلام والإستقرار والتعافي في السودان، وهو موقف يعكس إدراك المنظمة لأهمية السودان في معادلة الأمن والتنمية بمنطقة القرن الإفريقي؛ كما إكتسبت التصريحات الأخيرة لكبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون الإفريقية والعربية، مسعد بولس، أهمية خاصة بعد مباحثاته مع الرئيس الكيني وليام روتو، حيث شدد الجانبان على ضرورة الوصول إلى هدنة إنسانية تمهد لوقف دائم لإطلاق النار، مع التأكيد على أهمية وقف أي تدخلات خارجية من شأنها تأجيج النزاع وإطالة أمده، وتؤكد هذه المواقف المتقاربة مصداقية شكوى السودان بشأن الأفعال العدائية التي تستهدف وحدة السودان وسيادته، وأن المجتمعين الإقليمي والدولي باتا أكثر إقتناعًا بأن فرض الأجندات أو إستلاب القرار السيادي وتقسيم الدولة لا يمكن أن يفضي إلى تحقيق إستقرار دائم، وأن الطريق نحو السلام يمر عبر الحوار والتوافق الوطني وتهيئة الظروف اللازمة لمعالجة الأزمة الإنسانية التي ألقت بظلالها الثقيلة على ملايين السودانيين.

 

إذا نظرنا إلى جانب آخر من المشهد، نجد أن السودان يواصل توظيف علاقاته الدبلوماسية مع المؤسسات الدولية لدعم جهود التعافي وإعادة بناء القطاعات الحيوية التي تأثرت بالحرب، خاصة في مجالات الصحة والغذاء والتنمية البشرية، وفي هذا الإطار، دعا مندوب السودان لدى الأمم المتحدة في فيينا، السفير مجدي أحمد مفضل، مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى دعم إستعادة خدمات علاج الأورام بالمراكز المتضررة في الخرطوم وود مدني وجامعة شندي، فضلًا عن المساهمة في إنشاء مراكز جديدة تستجيب للإحتياجات المتزايدة للمرضى، وقد أشار إلى التقدم الذي تحقق في إعادة تشغيل مركز ود مدني للأورام، مؤكدًا أهمية إستمرار الشراكات الدولية الذكية في دعم القطاع الصحي وتمكينه من أداء دوره بكفاءة، ولم تقتصر الدعوات على الجانب العلاجي فحسب، بل إمتدت إلى تعزيز فرص التعاون في مجالات الأمن الغذائي من خلال مبادرة «الذرة من أجل الغذاء» التي تنفذها الوكالة الدولية للطاقة الذرية بالتعاون مع منظمة الأغذية والزراعة، ويعكس هذا التوجه فهمًا متقدمًا لطبيعة التحديات التي تواجه السودان، إذ إن إعادة الإعمار لا تقتصر على البنية التحتية وحدها، بل تشمل كذلك الإستثمار في الإنسان وتطوير الخدمات الأساسية التي تمثل الركيزة الحقيقية للإستقرار والتنمية في مرحلة ما بعد الحرب.

 

تتجسد مؤشرات الإنتقال من مرحلة الإستجابة الطارئة إلى مرحلة التعافي المؤسسي بصورة واضحة في القطاع الصحي السوداني، الذي شهد بمدينة بورتسودان تدشين الإستراتيجية الوطنية للصحة للفترة 2026–2030، بحضور رسمي ودبلوماسي وأممي واسع، وقد أكد وزير الصحة الإتحادي، الدكتور هيثم محمد إبراهيم، أن القطاع الصحي ظل يؤدي دوره رغم الظروف الإستثنائية التي فرضتها الحرب، مشيرًا إلى أن شعار «رغم الحاصل لازم نواصل» تحول إلى منهج عمل أسهم في إستمرار الخدمات الصحية بمختلف أنحاء البلاد، وأوضح أن الإستراتيجية الجديدة تمثل خارطة طريق لتطوير النظام الصحي وتعزيز قدرته على مواجهة الأزمات المستقبلية، ومن جانبه، أشاد ممثل منظمة الصحة العالمية بالسودان، الدكتور شبل صهباني، بجهود الكوادر الصحية التي واصلت العمل رغم تحديات النزوح ونقص الإمدادات والأوبئة، مؤكدًا إلتزام المنظمة بدعم السودان في مساعيه الرامية إلى بناء نظام صحي أكثر مرونة وإستجابة؛ كما حملت مشاركة البعثات الدبلوماسية والمنظمات الدولية رسائل تضامن واضحة مع السودان في مرحلة التعافي، ويعكس هذا الحضور الدولي الواسع قناعة متزايدة بأن الإستثمار في الصحة والتعليم والخدمات الأساسية يمثل بوابة العبور نحو إستعادة الإستقرار وبناء مستقبل أكثر أمنًا وإزدهارًا للسودانيين بعد سنوات من الحرب والمعاناة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوي محمي