فائز عبدالله يكتب: هادئة صباح الخير.. من التضحيات تولد الكلمة

كتب/ فائز عبدالله
الصحافة لا تُقاس بعدد الأعمدة التي تكتبها، بل بعدد المرات التي تقف فيها مكسوراً لتكتب عن الآخرين.
هادئة صباح الخير، واحدة من أولئك. إنسانة وصحفية من طراز فريد، تعرف أن الكلمة أمانة، وأن القلم لا يُلقى حتى وإن ضاقت بك الأرض.
بدأت قصتها من الخرطوم، من الحاج يوسف تحديداً، هناك حيث كانت الكاميرا والدفتر جزءاً من يومها، وحيث كان صوت الناس يسبق صوتها. جاءت الحرب فقلبت الموازين، فنزحت هادئة من بيتها، ومن مكتبها، ومن روتينها الآمن، إلى كسلا.. الشرق الحبيب.
لم يكن النزوح نهاية، بل كان فصلاً جديداً في كتاب صبرها.
نازحة بلا بيت، وبلا استقرار، لكنها لم تكن بلا رسالة. حملت معها ما لا يُحمل في حقائب: الذاكرة، والإصرار، والشعور بالمسؤولية تجاه زملائها والناس الذين تركتهم خلفها.
في كسلا اجتهدت وصبرت.
عملت في ظروف لا يعرفها إلا من جرّب أن يبدأ من الصفر، وهو يحمل وجع مدينته في قلبه. لم تشتكِ، ولم تتوقف. كانت تكتب، وتتواصل، وتسأل، وتُسمع صوت من لا صوت لهم.
هادئة لا تصرخ، لكنها أيضاً لا تصمت.
هدوؤها ليس ضعفاً، بل هو ضبط نفس لامرأة تعرف متى تتكلم، ومتى تصمت لتسمع الآخرين. ولذلك كانت صحفية من طراز فريد، لأنها سبقت الكلمة بإنسانيتها.
اليوم، ونحن نكتب عنها، نكتب عن معنى أن تكون صحفياً في زمن الحرب.
عن أن التضحية ليست شعاراً، بل أن تترك بيتك وتمضي، ثم تفتح حاسوبك المحمول داخل خيمة نزوح، وتسأل: ماذا حدث للناس؟
شكراً هادئة..
لأنك ذكّرتِنا أن الصحافة الحقيقية تبدأ حين ينتهي الأمان، وأن الصبر مهنة لا تقل شرفاً عن الكتابة.
ونحن معكِ.. حتى تعودي إلى الخرطوم، وتكتبي أول سطر بعد العودة.

