سعد محمد عبدالله يكتب: السودان ما بين المفاوضات السياسية والمغالطات الإعلامية

كتب/ سعد محمد عبدالله
تشهد الساحة السودانية، إلى جانب محيطها الإقليمي، تجاذبات سياسية تتداخل فيها التحركات العلنية مع الإتصالات التي تجري بعيدًا عن الأضواء، وهو أمر تفرضه طبيعة العمل السياسي، الذي يتطلب في كثير من الأحيان السرية، وحسن إدارة التوقيت، وإستخدام أدوات المناورة والضغط للإنتقال من مرحلة إلى أخرى بتوازن خُطى لا يخطئ الأهداف؛ فليس كل ما يُدار داخل أروقة الدولة يصلح للإعلان عنه قبل إكتمال ملامحه، لأن بعض الملفات تتطلب قدرًا من الكتمان حفاظًا على فرص نجاحها؛ وأي دعوة حوار يجب أن تواجه بجدية، وكمراقبين للمشهد العام، نستطيع أن نتفهم ما يجري إستنادًا إلى تجارب كثيرة؛ غير أن المثير للإستغراب هو أن تتحول هذه التحركات إلى مادة يومية للجدل السياسي والإعلامي الإنكفائي، تُبنى حولها الإستنتاجات، وتُنسج بشأنها الروايات المتناقضة بصورة تثير التعجب، دون الإستناد إلى أي معلومات دقيقة أو مصادر موثوقة، فتغدو الساحة العامة مسرحًا لصراع إعلامي محتدم يختلط فيه التحليل بالشائعات، والمعلومة بالتكهنات.
في ظل هذه الأجواء المشحونة، يصبح المواطن السوداني هو الأكثر تأثرًا بهذا الإستقطاب، بعدما دفع أثمانًا باهظة جراء الحرب التي تُعد الأعنف تاريخيًا، وفق ما خلّفته من مآسٍ إنسانية ودمار ونزوح ولجوء، وفقدانٍ للأرواح والممتلكات، وإنتشارٍ للأوبئة الفتاكة؛ فالسودانيون اليوم لا يبحثون عن معارك إعلامية جديدة، ولا عن سجالات سياسية لا تنتهي، وإنما يتطلعون إلى تحقيق العدالة الناجزة، ومحاسبة كل من إرتكب جرائم بحق الشعب، والشروع في بناء دولة تقوم على أسس وحدة الوجدان والجغرافيا في ظل المواطنة المتساوية، وإحترام التنوع، وسيادة حكم القانون، والتنمية المتوازنة التي تنصف الريف والمدينة على حد سواء، ومن هنا، فإن المسؤولية الوطنية تقتضي التعامل مع المعلومات بحذر، وعدم الإنجرار وراء حملات التضليل أو المبالغات التي قد تربك الرأي العام السوداني، وتؤثر في مسارات الحل المرتقب.
لا شك أن الثقة في مؤسسات الدولة وقيادتها تمثل عنصرًا مهمًا في هذه المرحلة، لكنها لا تتعارض مع حق المواطنين وصنّاع الرأي في الحصول على المعلومات الصحيحة بالقدر الذي لا يضر بالمصالح الوطنية، أو يعطل مسارات التفاوض، ويضمن أن تقود في نهاياتها إلى النتائج المرجوة؛ فمنهج الشفافية المدروسة يعزز رابطة الثقة بين جميع الفاعلين في المشهد العام، ويحد من إنتشار الشائعات، ويغلق الباب أمام الجهات التي تستثمر في الغموض والضبابية لبث خطاب مضاد يثير الإرباك ويزعزع الإستقرار الوطني، الذي لا يحتمل مثل هذه الممارسات السلبية، وفي المقابل، فإن حرية التعبير عن الفكر والرأي ينبغي أن تُمارس بمسؤولية، بعيدًا عن نشر السرديات التي تفتقر إلى الأدلة، أو توظيف الإعلام لخدمة أجندات تستهدف إضعاف الموقف الوطني في لحظة دقيقة من التاريخ، تتطلب منا جميعًا إظهار أعلى درجات الوعي والإنضباط.
تبقى الكثير من الأسئلة الجوهرية مطروحة حول كيفية صياغة مستقبل التسوية السياسية، وآفاق الحوار السوداني–السوداني، ومتطلبات المرحلة الإنتقالية التي لا ينبغي أن يؤدي أي إختلال في مساراتها إلى إنهيار العملية السياسية في ظل جرح وطني غائر وواقع هش، ولذلك، فإن التعامل مع هذه المرحلة يتطلب قدرًا عاليًا من الحساسية والحكمة، بما يؤسس لسلام دائم، وعدالة شاملة، وإستقرار مستدام، والحقيقة أن الطريق إلى المستقبل لن يُعبد برصفه بالشائعات، ولا باستخدام سلاح المزايدات، وإنما بالإرادة الوطنية الصادقة، والإحتكام إلى منطق العقل، وتقديم مصلحة الوطن على المصالح الضيقة؛ وكما هو معلوم، فإن العدو يتربص ويسعى إلى تفخيخ الطريق، ولذلك فإن السودان بحاجة اليوم إلى مشروع وطني جامع يعيد نسج خيوط الثقة بين أبنائه، ويفتح آفاقًا جديدة لبناء دولة قوية وعادلة، ينعم فيها الجميع بالأمن والكرامة والتنمية، ويتحول فيها التنوع إلى مصدر قوة ووحدة، لا إلى سبب للصراع والإنقسام.

