حوارات ومقالات

النور القبة.. حقيقة الميدان وإشاعة (درع الغرب)

 

 

 

 

 

بقلم / علي منصور حسب الله

 

 

 

انتشر خلال الساعات الماضية في بعض المنصات ووسائل التواصل الاجتماعي حديث عن اتجاه اللواء النور أحمد آدم الشهير بـ(النور القبة) إلى إعلان قوة عسكرية جديدة تحت مسمى (درع الغرب) وذهب البعض إلى التعامل مع الأمر باعتباره تطوراً خطيراً قد يفتح الباب أمام تشكيل عسكري جديد خارج منظومة القوات المسلحة وقبل أن نذهب بعيداً في تفسير الخبر أو بناء المواقف عليه فإن السؤال المهني الأول يجب أن يكون هل نحن أمام إعلان رسمي عن تشكيل عسكري جديد بالفعل أم أمام حديث عن تنسيق وتوحيد جهود قوات منشقة جاءت من صفوف الدعم السريع؟هذه نقطة جوهرية لا ينبغي تجاوزها فما نشرته بعض المواقع تحدث عن دعوة منسوبة للنور القبة إلى القيادات المنشقة من الدعم السريع للتنسيق والتوحد تحت مسمى (درع الغرب) لكنه لم يقدم في حدود ما أمكن التحقق منه قراراً عسكرياً رسمياً يثبت قيام قوة مستقلة مكتملة الأركان بهذا الاسم أو خروجها عن منظومة القوات المسلحة وفي المقابل نشرت مصادر أخرى أن النور القبة أعلن جاهزية قواته للتحرك إلى محاور القتال في دارفور وكردفان والعمل إلى جانب القوات المسلحة والقوات المساندة لها ومن هنا تبدأ المشكلة الحقيقية لماذا نُسرع إلى تحويل كل حديث عن إعادة ترتيب القوات أو توحيد جهود المنشقين إلى معركة جديدة حول (الجيش الواحد) قبل أن نعرف حقيقة الترتيبات القائمة؟

النور القبة ليس شخصية ظهرت في المشهد أمس فهو قائد عسكري معروف في إقليم دارفور وبدايات مسيرته كانت ضمن قوات حرس الحدود قبل انتقاله لاحقاً إلى قوات الدعم السريع وفي أبريل 2026 أعلن انشقاقه عن الدعم السريع وانضمامه إلى القوات المسلحة كما رحب الفريق أول عبد الفتاح البرهان بانضمامه مؤكداً أن الأبواب مفتوحة أمام من يريد إلقاء السلاح والعودة إلى صف الوطن

وهنا ينبغي أن نتذكر أن قوات النور القبة لها تاريخ سابق على وجودها داخل الدعم السريع وأن انتقال تشكيلات وقادة من حرس الحدود إلى الدعم السريع لم يكن دائماً خياراً شخصياً لكل قائد أو مقاتل بل جاء في سياق ترتيبات وقرارات رسمية وسياسية وعسكرية عرفتها البلاد في مراحل سابقة ولهذا فإن عودة هؤلاء إلى صف الدولة ينبغي أن تُقرأ في إطار تفكيك واقع الحرب وإعادة ترتيب القوات تحت مظلة الدولة لا باعتبارها بالضرورة ولادة مشروع عسكري جديد ينافس القوات المسلحة

والسؤال الذي أراه أكثر أهمية من اسم (درع الغرب) هو ما الفرق من الناحية العملية بين قوة كانت تقاتل داخل الدعم السريع ثم انشقت عنه وجاءت بسلاحها وأفرادها للانضمام إلى معسكر الدولة وبين قوة يتم ترتيب وضعها وتسميتها مؤقتاً لتنظيم وجودها إلى أن تكتمل ترتيبات الدمج؟ فالمعيار الحقيقي ليس الإسم بل القيادة والانضباط وغرفة العمليات والسيطرة وسلسلة الأوامر والمرجعية العسكرية والهدف النهائي من وجود القوة فإذا كانت القوة تعمل تحت قيادة الدولة وتنسق عملياتها مع القوات المسلحة والقوات المساندة لها ولا تدعي إنشاء جيش موازٍ أو سلطة عسكرية مستقلة فإن التعامل معها ينبغي أن يكون على أساس هذه الحقائق لا على أساس الاسم الذي تحمله في مرحلة انتقالية وهذا ينطبق على النور القبة كما ينطبق على غيره لقد عانى السودان طويلاً من تعدد التشكيلات المسلحة وتداخل الولاءات ولذلك فإن الوصول في النهاية إلى جيش وطني واحد ومؤسسة عسكرية واحدة يظل قضية لا خلاف حول ضرورتها لكن الوصول إلى هذا الهدف لا يعني أن نرفض كل قوة منشقة عن التمرد قبل أن تدخل في المنظومة الرسمية ولا أن نخوّن كل قائد أو مقاتل قرر ترك صف التمرد والعودة إلى حضن الدولة

بل إن المنطق يقتضي أن تكون الدولة أكثر قدرة على استيعاب العائدين وتنظيمهم وضبطهم مع إخضاع الجميع للقانون وللسلطة العسكرية الرسمية وصولاً إلى ترتيبات أمنية واضحة تنهي ظاهرة الجيوش المتعددة وهنا تكمن خطورة التعامل مع الشائعات بعقلية التخوين

فقد رأينا خلال الحرب كيف يمكن لعبارة واحدة غير دقيقة أن تتحول في ساعات إلى حملة واسعة ثم تتحول الحملة إلى موقف سياسي أو قبلي أو عسكري قبل أن يعرف الناس أصل الخبر ومن أين جاء والأخطر من الشائعة نفسها أن يتولى بعض أبناء الصف الوطني إعادة إنتاجها بحسن نية ثم يقدمونها للجمهور باعتبارها (خطراً داهماً على مستقبل الوطن)

وهكذا يحقق مطلق الشائعة هدفه مرتين

مرة عندما يطلق المعلومة المضللة ومرة عندما يجد من يتولى نشرها والدفاع عنها دون تحقق وهذا بالضبط ما يجب أن نحذر منه فإذا كان الهدف هو ضرب تماسك القوى التي تقاتل إلى جانب القوات المسلحة فإن أفضل خدمة يمكن تقديمها لهذا الهدف هي تحويل كل خلاف إداري أو ترتيب ميداني إلى صراع بين المكونات وإقناع الناس بأن كل قائد جاء من صفوف الدعم السريع يمثل مشروعاً جديداً وكل قوة منشقة تشكل خطراً على الجيش

والنتيجة الطبيعية لذلك هي إغلاق الباب أمام الانشقاقات وإرسال رسالة خاطئة إلى من يفكر في مغادرة صف التمرد: أن عودتك إلى الدولة ستجعلك موضع شك وتخوين حتى بعد أن تترك الطرف الآخر وهل هذا ما نريده؟ إذا كنا نريد فعلاً تفكيك الدعم السريع من الداخل وإعادة من يمكن إعادتهم إلى حضن الوطن فإن المنطق يقول إن علينا التفريق بين من يستمر في التمرد ومن يترك التمرد ويعود إلى الدولة ومن يرتكب جرائم، ومن يعلن استعداده للقتال تحت القيادة الشرعية للدولة هذه ليست مسألة عاطفية وإنما قضية تتعلق بإدارة الحرب وإدارة مرحلة ما بعد الحرب في الوقت نفسه والنور القبة نفسه تحدث عن جاهزية قواته للتحرك إلى محاور دارفور وكردفان والعمل مع القوات المسلحة والقوات المساندة لها كما وردت تقارير عن لقاءات مع قيادات من القوات المشتركة لبحث التنسيق العملياتي وتوحيد الجهود الميدانية إذن لماذا لا ننتظر الترتيبات العسكرية الفعلية بدلاً من محاكمة النوايا؟ ولماذا لا نسأل السؤال الصحيح هل هناك قوة مستقلة خارج منظومة الدولة أم أن هناك قوات منشقة يجري تنظيمها وإعدادها للمشاركة في العمليات تحت مظلة القوات المناوئة للدعم السريع؟

إن كانت هناك ترتيبات عسكرية جديدة بالفعل فلتعلنها الجهات الرسمية بوضوح، ولتحدد تبعيتها وقيادتها وسلسلة أوامرها أما أن تترك المساحة للشائعات فهذا هو الباب الذي تدخل منه الفوضى الإعلامية ولا أستطيع أن أجزم من يقف وراء هذه الرواية أو ما الجهة التي أطلقتها في الأساس لكن يمكن القول إن تضخيم أي خبر عسكري غير مكتمل المعلومات وتحويله إلى قضية تخوين يخدم عملياً حالة الانقسام أياً كان المصدر الأول للخبر وهنا مسؤولية الإعلام أكبر من مسؤولية الناشط العادي

فالصحفي لا ينبغي أن يكون مجرد ناقل لما يدور في الأسافير وإنما عليه أن يسأل من قال؟ ومتى قال؟ وأين قال؟ وهل توجد وثيقة؟ وهل هناك تصريح رسمي؟ وما الذي ثبت فعلاً وما الذي أضيف إليه من تحليلات وتفسيرات؟ لقد دفع السودان ثمناً باهظاً بسبب الأخبار غير الدقيقة والشائعات التي تتحول إلى حقائق بمجرد كثرة تداولها ولذلك فإن قضية (درع الغرب) تحتاج إلى هدوء لا إلى ضجيج وإلى معلومات لا إلى تخمينات وإلى توحيد الصف لا إلى صناعة خصومات جديدة بين القوى التي تواجه عدواً واحداً أما قضية الجيش الواحد فهي محسومة من حيث المبدأ

لا يمكن أن يكون للسودان في نهاية المطاف أكثر من جيش واحد، وسلطة واحدة وقرار عسكري واحد لكن الطريق إلى ذلك لا يكون بتخوين كل قوة عائدة إلى الدولة ولا بإقصاء كل قائد كان في صف الدعم السريع ثم قرر الانحياز إلى الوطن وإنما بإخضاع الجميع للقانون، وترتيب أوضاعهم، وضبط سلاحهم، وتحديد مرجعيتهم ثم الوصول إلى الدمج المؤسسي الكامل وفق ترتيبات الدولة لقد فقدت قوات النور القبة بحسب ما هو متداول في سياق مشاركتها وانشقاقها عدداً من الرجال في الحرب ومن حق هؤلاء الذين اختاروا العودة إلى صف الدولة أن يُنظر إلى خطوتهم باعتبارها جزءاً من مسار العودة لا أن تتحول كل خطوة يقومون بها إلى مادة جديدة للتخوين الوطن يحتاج إلى عودة الرجال من صفوف التمرد أكثر مما يحتاج إلى صناعة خصوم جدد بينهم وبين الدولة والذين يختلفون حول الاسم (درع الغرب) عليهم أن يناقشوا الاسم والتبعية والمرجعية بهدوء لا أن يحولوا الأمر إلى معركة تخوين فإن كان (درع الغرب) مجرد تسمية لتنسيق جهود مجموعة من العائدين والمنشقين تمهيداً لإدماجهم في المنظومة العسكرية فليكن النقاش حول كيفية تنظيم ذلك قانونياً وعسكرياً

وإن كان المقصود إنشاء قوة مستقلة خارج قيادة الدولة فهذه مسألة أخرى تماماً ويجب أن تكون للدولة فيها كلمة واضحة وحاسمة المشكلة ليست في الاسم وإنما في المرجعية وليست في عودة المقاتلين وإنما في بقاء السلاح خارج مؤسسات الدولة وليست في تعدد المسميات المؤقتة وإنما في أن تتحول المسميات إلى جيوش مستقلة ومن هنا أقول لا تجعلوا من الشائعة معركة ولا تجعلوا من العائدين أعداءً قبل أن يصلوا إلى صف الوطن

فالحرب تحتاج إلى تماسك والدولة تحتاج إلى مؤسسات والسلام يحتاج إلى من يخرج من دائرة الحرب ويعود إلى حضن الوطن أما الحقيقة فيجب أن تظل هي الحكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوي محمي