ثقافة وفنونرياضيةمعرض الصور

سامي الشناوي يكتب: لا تُسَيِّسوا المتعة

 

 

 

كتب/ سامي الشناوي

 

 

 

«أخبرني بمن تساند وتشجّع من منتخب، أخبرك إن كنت خائنًا، أم وطنيًّا، أم فلنقايًّا»… هكذا أضحت كرة القدم، وهكذا أضحى التجاذب على أشدّه.

 

فكرة القدم يجب أن تبقى بعيدة عن الاستقطابات السياسية، وأن تحتفظ بمكانتها كواحدة من أجمل وسائل الترفيه التي تجمع الناس ولا تفرّقهم. فجوهر الرياضة قائم على المتعة والإبداع والتنافس الشريف، وليس على تصفية الحسابات أو إسقاط المواقف السياسية على المدرجات.

أحبّ العالم الأرجنتين بسبب عبقرية مارادونا وما قدّمه من سحر كروي، ولم يكن ذلك حبًّا لسلوكياته الشخصية أو لمواقفه خارج المستطيل الأخضر. وكذلك أحبّ الناس البرازيل لأنها قدّمت بيليه ورونالدو ورونالدينيو، وأحبّوا إسبانيا لأسلوبها الممتع، وأعجبوا بفرنسا وكرواتيا وألمانيا وهولندا والنرويج وغيرها، لما قدّمته من كرة قدم راقية. كان المعيار دائمًا هو الإبداع داخل الملعب، لا ما يدور خارجه.

ولهذا يُقال: اتركوا للرياضة رياضتها، وللسياسة سياستها. فلكل مجال مساحته التي ينبغي أن تُحترم، وخلط الأوراق لا يضرّ إلا بجمال اللعبة وروحها.

للأسف، بدأنا في السنوات الأخيرة نرى ظاهرة مختلفة؛ إذ أصبح بعض الناس يحدّدون الفريق الذي يشجّعونه بناءً على مواقف سياسية أو خلافات أيديولوجية أو حتى مواقف إعلامية، لا بناءً على ما يقدّمه من أداء كروي. والأسوأ من ذلك أن البعض بات يفتّش في نوايا المشجّعين وقلوبهم، فيُصنّف هذا ويخوّن ذاك، وكأن تشجيع فريق رياضي أصبح إعلانًا عن موقف سياسي أو انتماء فكري.

وبهذا الفهم، تفقد الرياضة أجمل ما فيها؛ تلك العفوية التي كانت تجعل الناس يختلفون في التشجيع، ثم يجلسون بعد المباراة على طاولة واحدة، يتبادلون الضحكات والنقاشات دون خصومة أو كراهية. فكم من أصدقاء وأقارب اختلفوا في تشجيع ريال مدريد وبرشلونة، أو البرازيل والأرجنتين، ثم انتهت المباراة وبقي الود كما هو. هذا هو المعنى الحقيقي للرياضة.

الرياضة ليست ساحة للانقسام، بل جسر للتقارب بين الشعوب. وإذا أردنا أن نحافظ على جمالها، فعلينا أن نسمح لها بأن تبقى مساحة للفرح، وأن نستمتع بالمهارة والموهبة والروح الرياضية، بعيدًا عن كل ما يثقلها بالاستقطاب.

وفي النهاية، ستُنسى نتائج البطولات مع مرور الزمن، وسيتغيّر الأبطال وتتبدّل الأجيال، لكن ما يبقى في الذاكرة هو ذلك الشعور الجميل الذي منحته لنا كرة القدم؛ لحظات الدهشة والفرح والتصفيق لموهبةٍ استحقّت الإعجاب، مهما كان لون قميصها أو علم بلادها.

فلنحافظ على الرياضة مساحةً للإنسان قبل أن تكون ساحةً للمنافسة، ولنشجّع من نحب دون أن نُدين من اختار غيره، ولنعترف بجمال الأداء أينما كان. فليس كل إعجابٍ انحيازًا، وليس كل تشجيعٍ موقفًا سياسيًا. وعندما نُعيد كرة القدم إلى مكانها الطبيعي، كلعبةٍ توحّد القلوب ولا تزرع بينها الخصومة، سنكتشف أن أجمل انتصار فيها ليس رفع الكأس، بل قدرتها الدائمة على جمع البشر حول شغف واحد، رغم كل اختلافاتهم.

دعوا كرة القدم تبقى كما عرفناها دائمًا… لغةً عالمية لا تحتاج إلى ترجمة، وفرحًا إنسانيًا لا يعرف الحدود، وملعبًا يتّسع للجميع دون أن يسأل أحدًا عن رأيه السياسي أو معتقده أو انتمائه. فحين نترك الكرة داخل الملعب، نكسب جميعًا متعة اللعبة، ونحافظ على آخر المساحات التي لا تزال قادرة على أن تجمع البشر أكثر مما تفرّقهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوي محمي