حوارات ومقالات

د. عبدالله جماع يكتب: يا جماعة… المخدرات والتهريب وتزوير العملة (وأشياء أخرى ذبحتنا والله)!!

قل واعملوا

 

 

كتب/ د. عبدالله جماع

 

 

 

قطعاً، الشعوب ليست مسؤولة عن أخطاء الحكومات وإخفاقاتها، كما أنها ليست معفاة من أداء واجبها الوطني والديني تجاه الوطن، وذلك بمراقبة أداء الحكومات وعدم مجاملتها في الصواب أو الخطأ. وعليها أيضاً متطلبات ينبغي القيام بها على الوجه الأكمل، حتى تُسند الحكومات، فتتفرغ لرعاية شؤون المواطنين دون مجاملة أو تفريط.

ومن ذلك، على سبيل المثال لا الحصر، المحافظة على الممتلكات العامة الثابتة والمنقولة، وإسداء النصح والإرشاد للحاكم، وتجـويد وإتقان الأعمال المختلفة أثناء أدائها في القطاعين العام والخاص، لتعظيم الإنتاج، ومضاعفة الإيرادات، وزيادة الصادرات، حتى ينصلح أمر الاقتصاد كله. كما يجب عدم مساعدة الأعداء أو تمكينهم من إلحاق الضرر والأذى بالوطن أو التآمر عليه، والالتفاف حول الجيش الوطني عندما يتعرض الوطن للخطر.

وعليه، يجب أن يكون المواطن عين الحاكم التي لا تنام، متمثلة في الرقابة الشرطية القبلية والبعدية، والرقابة البرلمانية الشعبية كذلك. بمعنى آخر، ينبغي لكل فرد من أفراد المجتمع أن يكون رجل شرطة بعينه اليقظة والمفتوحة في كل أماكن وجوده وانتشاره، داخل الوطن وخارجه.

كما ينبغي للشرطة أن تكون عطوفة، رحيمة، هينة، لينة، هشّة، باشّة مع المواطن حينما يلجأ إليها طالباً خدماتها، أو مرشداً لها، أو منبهاً إلى مكروه أو أذى قد يصيب المجتمع في مكان ما، بعيداً عن أسلوب الفظاظة والغلظة والأنفة والتعقيدات المعهودة لديها، والموروثة من زمن الاستعمار البغيض. فإذا لم تكتمل هذه الحلقات، فعلى الدنيا السلام.

ولنعد الآن إلى موضوع مقالنا، ولكن قبل ذلك نشير إلى واقعة حقيقية حدثت مع أحد المبتعثين السودانيين للدراسة في بريطانيا، وهي تجسيد حقيقي ومختصر لما نصبو إليه في هذا المقال، وتأكيد لدور المواطن الصالح.

يحكي أخونا المبتعث، أثابه الله، عما فعلته به العجوز الأجنبية التي كان يقيم في منزلها، حينما أخبرها بأن جهاز الراديو والمسجل الذي أحضره لها هدية عند عودته من إجازته، قد أدخله عبر الجمارك دون أن يدفع الرسوم المستحقة عليه، بعد أن خدع سلطات الجمارك في المطار.

وبالرغم من شغفها بامتلاك مثل ذلك الجهاز، وفرحتها الكبيرة بالهدية، إلا أنها، وفور علمها بما فعله، والذي رأت فيه إخلالاً بالأمانة واحترام القانون، اتصلت فوراً بسلطات الجمارك، وأبلغتهم بأن شخصاً “مهرباً” يقيم معها، وزودتهم بعنوان المنزل. ولم تمض سوى دقائق حتى حضرت سلطات مكافحة التهريب، وبعدها “عينك ما تشوف إلا النور”.

إن هذا الإجراء البسيط يؤكد دور المواطن الصالح، وما ينبغي أن يقوم به تجاه وطنه في كل صغيرة وكبيرة. ولكن ما بال أقوام شغلهم الشاغل سرقة وتهريب موارد الدولة، بينما المواطن لا يبالي، حتى لو رأى أو سمع، وكأن الأمر لا يعنيه من قريب أو بعيد؟ فشتان بين هذا وعلو همة تلك العجوز الأجنبية.

وتدليلاً على ذلك، اسمع – هداك الله – ما قاله الأصم، عضو غرفة مستوردي المشتقات البترولية، إذ ذكر أن إنتاج السودان من الذهب خلال عام 2025 بلغ (70) طناً، بينما لم يتجاوز ما تم تصديره (14) طناً فقط، بفارق (56) طناً مفقودة، لا يُعرف أين ذهبت.

معقولة يا جماعة؟! أين عيون “العجوز الأجنبية”؟ بل أين العيون السودانية التي تحلب النمل، وتشوي الطير وهو طائر، وتصطاد النجم في السماء؟

ولكن طالما ليس بيننا من يملك همة تلك العجوز، فلن تنقطع عناوين الأخبار اليومية التي تتحدث عن براعة وإبداعات شرطة مكافحة التهريب في القبض على محترفي تهريب الذهب والفضة والمخدرات وتزوير العملة، حتى كدنا أن ننادي بأعلى أصواتنا: الحقونا يا أهل الخير، لقد ذبحنا التهريب والتزوير!

ولولا براعة شرطتنا، لا ندري كيف ستكون الحال. ومع كفاءة سلطات مكافحة التهريب في كشف هذه الجرائم، فإننا لا نزال ننتظر كفاءة وبراعة القضاء في الكشف عن مصير المهربين، كباراً وصغاراً، الذين تم القبض عليهم، وما هي الأحكام والعقوبات التي صدرت بحقهم، حتى يطمئن المواطن إلى أن الدور العظيم الذي تقوم به سلطات مكافحة التهريب لن يضيع سدى بين دهاليز القضاء، وألا يكون مجرد “حركات جيش”. فكل قول لا يتبعه فعل، فإنه من همزات الشيطان الرجيم.

ولكن، من فضلكم، ودرءاً للتهريب، صادروا جميع الكوارو والركشات والدرداقات، واتركوا لنا فقط الموانئ والمطارات، لأن أمرها – فيما يبدو – غير مقدور عليه! فالتهريب، على ما يبدو، “شغلانة كبارات”، وإلا فكيف لبلد ينتج (70) طناً من الذهب أن تظهر في كشوفات الصادر (14) طناً فقط؟

ربما كان كل ما قيل غير صحيح، فإذا كان كذلك، فما الحقيقة؟

لكن، عموماً، والله إن التهريب، والتهريب، والتهريب… قد ذبحنا.

ومع ذلك، نحمد الله ونثني عليه، فلولا براعة وحصافة قواتنا المسلحة، لتم تهريب الوطن بأكمله.

0912164905

Jamma1900@hotmail.com

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوي محمي