حوارات ومقالات

د. عبدالله جماع يكتب: ما عدا (المؤتمر الوطني وإسرائيل)!

 

 

 

وقُلِ اعملوا

 

 

كتب/ د. عبدالله جماع

 

 

حينما يتحدث المسلم عن السياسة، ينبغي النظر إليها من باب إعمار الأرض والإنسان والدين، أسوةً بأول سياسي في الإسلام، ألا وهو سيدنا وخاتم الأنبياء أجمعين، محمد صلى الله عليه وسلم.

فالسياسة في الإسلام معناها الخلافة والحكم، وأول من مارسها هو رسولنا الكريم، عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم. ثم من بعده انتقلت من خيار إلى خيار. ولكن أكثر من جسّد لنا كيفيتها بالمعنى المباشر والعملي، وفق الظروف والمقتضيات الظرفية الحديثة، هو سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

وذلك حينما أدرك أنه لن يعيش بعد إصابته بطعنة الغدر والخيانة بواسطة المجوسي أبي لؤلؤة، فبذكاء شديد عمد إلى تكليف من تبقى من الصحابة المبشرين بالجنة باختيار، أو قل انتخاب، أمير للمسلمين يخلفه في الحكم بعد وفاته.

وكان عددهم ستة، وهم: عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهم. كما جعل عبد الله بن عمر مشاركًا في الشورى دون أن يكون له نصيب في الخلافة.

وهنا تتجلى أنبل الأخلاق وأروع وأصدق أنواع «الشفافية» في ممارسة السياسة القائمة على الأخلاق والأمانة وسد الذرائع، حتى لا تفضي إلى التشرذم والانقسام بين المسلمين.

وبذلك يكون هذا من أوائل النماذج السياسية في الإسلام التي راعت وحدة المجتمع وتعاضده، من غير أجندات سياسية أو عزل للآخرين لمصلحة فئات بعينها، ودون اعتبار لرغبات المجتمع أو الخوف من وخيم العواقب.

ثم توالت بعد ذلك السياسة العمرية الراشدة، بإضافة سيدنا عبد الله بن عمر إلى المشاركة في شورى الستة، شريطة ألا يكون له نصيب في الحكم؛ أي أن يختار المجتمعون من يرونه الأنسب لخلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، مع استثناء عبد الله بن عمر من الترشح، لأنه ابنه، وحتى لا يؤدي ذلك إلى شرخ في صفوف المسلمين.

إذن، هكذا ينبغي أن تكون سياسة من يتولى أمر المسلمين؛ بحيث يكون الهدف هو الإصلاح والإعمار ولمّ الشمل.

ففساد السياسة ليس فيها بذاتها، وإنما في سوء استخدام البشر لها، وذلك بجنوحهم إلى الظلم والإيثار وحب الذات والعشيرة والحزب، وكل ما يفرّق ولا يجمع، وبتقديم هذا على ذاك، مع الشهوة الجنونية إلى السماح لكل عميل وأجنبي بالتدخل في شؤون المسلمين ليفرق كلمتهم ويشتت شملهم ويستأثر بمواردهم.

وشاهدنا ذلك وعاصرناه إبان حكم حمدوك وشلته، حيث، بدلًا من الالتحام والتوافق مع الشعب الذي احتضنه دون سابق معرفة به وبمقدراته، وبدلًا من تسخير جل وقته وجهده لمصلحته دون سواه، أبت نفسه إلا السير في الاتجاه المعاكس، والوقوع في أحضان أعداء الشعب من الأجانب والأحزاب ذات الأيديولوجيات المناهضة لرغبات معظم المجتمع السوداني، للاستقواء بهم ضد سائر تطلعات الشعب.

وعندئذ حدث ما حدث؛ فتشتت الشمل وانفرط عقد المحبة والوئام الذي جُبل عليه المجتمع السوداني، وكل ذلك بسبب عدم اتباع منهج السياسة القائمة على الإصلاح والبناء وإعمار الدين والدنيا، والاعتصام بما يجمع ولا يفرّق، كما طبقها وانتهجها ابن الخطاب.

وبصنيع حمدوك ومن شايعه، تفرق المجتمع شذر مذر، ثم نشبت حرب قضت على الأخضر واليابس.

وهكذا تكون المآلات حينما يُتخذ منهج الإقصاء، ولا يُنظر إلى رغبات الشعوب. ولنا في سياسة ابن الخطاب عبرة وأُسوة صالحة للاستخدام، لما فيها من حكمة وبعد نظر ما يكفي للسير عليها لقرون عديدة.

لسبب واحد فقط، ألا وهو الاعتماد على ما يجمع ولا يفرّق، حتى لو كان قاسيًا. وقد تمثل ذلك في «لا»تيه الاثنتين: لا لابن المسيب، ثم لا لابن عمر.

وعليه، ففي السياسة الراشدة، يكون البحث عن الذي يجمع كلمة المجتمع المسلم ويعضد تماسكه خيرًا وألف خير، سيما أن الأمر في النهاية مرهون برأي السواد الأعظم منهم، وبما يناسبهم لمصلحة دينهم ودنياهم، دون وصاية أو تدخل من أحد.

وعلينا التأمل في «اللاءات» الثلاث عبر التاريخ، وكيف أنها قادت إلى الوحدة والتعاضد، بينما هناك «لا» رابعة، والعياذ بالله منها، يمكن أن تؤدي إلى تفكك وشرذمة المجتمع السوداني بأكمله إذا ما اعتُبرت من ركائز السياسة السودانية، وهي: «ما عدا المؤتمر الوطني».

أما «لاءات» الرحمة والوحدة فهي: «ما عدا ابن عمر، وابن المسيب، وإسرائيل».

أما الأخيرة، فهي التي جمعت المسلمين والعرب على صعيد واحد، وذلك حسب النص المكتوب على جواز كل مسلم وعربي: «يسمح لحامله بدخول كل الدول ما عدا إسرائيل».

د. عبدالله جماع

0912164905

Jamma1900@hotmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوي محمي