حوارات ومقالات

د. زكي أحمد البشير يكتب..الخدمة المدنية بعيداً عن السياسة

 

بقلم د. زكي محمد البشير

 

هو مبدأ دستوري وإداري يُعدّ ركيزة أساسية في بناء الدول الحديثة والمؤسسات المستقرة والبلدان التي ترنو للتطور والتقدم والازدهار.

هذا المفهوم يعني أن الموظفين في الدولة (في الوزارات والمؤسسات العامة) يجب أن يكونوا موظفين للدولة وللشعب ككل، الموظف في الدولة اجير لدي الشعب والشعب هو مكونات المجتمع.

الموظفين ليسوا أدوات في يد أحزاب سياسية أو تيارات أيديولوجية معينة حتى يتم استبعادهم بحجة الانتماءات الفكرية

لابد من بحث قضية مبادئ فصل الخدمة المدنية عن التيارات السياسية وتأثيراتها المدمرة علي حياة الناس واستقرار الدولة.

لتحقيق معادلة “خدمة مدنية بعيداً عن السياسة”، تعتمد الدول عادةً على المبادئ التالية.

يتم اختيار الموظفين بناءً على مؤهلاتهم العلمية وخبراتهم وعن طريق المسابقات والامتحانات النزيهة، وليس بناءً على الولاء الحزبي أو الانتماء العائلي أو “المحسوبية ، وهذا التعيين تقوم به جهات سيادية ليس لمدراء المؤسسات يد فيه او صلة به مهما كان الوضع والظرف .بعض المواقف يتعين ابن موظف في المؤسسة كامتداد طبيعي لعطاء الموظف الذي قضي سنين عمره في الوظيفة واكسب أولاده بعض مفاهيم الوظيفة فليس حرج ان يخضع ابن الموظف للاختبارات والمعاينات ويجتاز الامتحانات الخاصة بالوظيفة بشروطها واحتياجاتها من الشهادات والخبرات والمهارات.

يُتوقع من الموظف المدني تنفيذ القوانين والقرارات بحيادية، بغض النظر عن انتمائه السياسي الشخصي أو انتماء المواطن الذي يتعامل معه. لا يجوز للموظف استخدام منصبه للترويج لحزب معين أو لخدمة مصالح حزبية ويمنع ذلك وفقا لقانون الخدمة المدنية ومن يثبت عليه ذلك يعرض لمحكمة إدارية خاصة تنشأ لهذه الأغراض وتصدر احكام بذلك وفق التشريعات السارية.

الحكومات والأحزاب تتغير، لكن الإدارة العامة للخدمة المدنية يجب أن تستمر. يبقى الموظفون في مناصبهم لضمان سير العمل وتقديم الخدمات حتى لو تغيرت الحكومات أو الوزراء، لضمان عدم توقف المرافق العامة وتخضع عملية تولي المناصب التنفيذية للإدارات العامة والوكلاء التنفيذيين لعملية تدوير العمال وفقا للمصلحة العامة والتخصص المهني.

الموظف المدني ملزم بحفظ أسرار العمل، ولا يجوز له تسريب معلومات لأحزاب سياسية لاستخدامها في الصراعات السياسية ومن يثبت عليه ذلك يعرض نفسه للعقوبات القانونية.

عندما يكون المعيار هو “الكفاءة” وليس “الولاء”، فإن أقدر الناس يشغلون المناصب، مما يرفع من إنتاجية المؤسسات وجودة الخدمات المقدمة للمواطن (الصحة، التعليم، الكهرباء، المرور، إلخ).

إذا كانت الخدمة المدنية محايدة، فإن خدمات الدولة تصل لكل المواطنين بالتساوي. أما إذا سيطرت السياسة، فقد تجد أن منطقة معينة تُحابى لأنها صوتت للحزب الحاكم، بينما تُحرم منطقة أخرى.

قرب السياسة من الوظيفة المدنية يفتح الباب أمام “المحسوبية” (الواسطة) و”الرشوة” واستغلال النفوذ، حيث يتم تعيين الأقارب والأنصار بغض النظر عن كفاءتهم.

وجود مؤسسة مدنية قوية ومحايدة يساعد على استقرار الدولة خلال فترات التحول السياسي أو الأزمات، لأن “الجهاز الإداري للدولة” يظل يعمل بانتظام.

رغم أهمية هذا المفهوم، تطبيقه العملي يواجه صعوبات، خاصة في الدول النامية أو التي تمر بمراحل انتقالية:

1. في بعض الأنظمة، يتم تغيير كبار الموظفين (مدراء عامين، سفراء) مع كل حكومة جديدة، مما يضر بتراكم الخبرة ويؤدي إلى “تدمير المؤسسات.

2. عندما يشعر الموظف الكفء أن الترقية والترقي لا يعتمدان على عمله بل على ولائه السياسي، فإنه يصاب بالإحباط وتهبط كفاءته، أو يغادر العمل إلى القطاع الخاص.

3. قد يضغط السياسيون على الموظفين المدنيين لتقديم امتيازات مشبوهة لدوائرهم الانتخابية قبل الانتخابات، مما يجرد الخدمة المدنية من حيادتيها.

4. المناصب السياسية: (مثل الوزراء، وكبار المستشارين، الموظفين السياسيين). هذه مناصب تتغير بتغير الحكومة، وصاحبها يضع السياسات العامة ويسمح له بالانتماء الحزبي الصريح لأنه مسؤول أمام الشعب أو البرلمان.

5. الوظائف المدنية (الاحترافية): هم الموظفون التنفيذيون الذين يترجمون السياسات إلى إجراءات وخدمات. هؤلاء يجب أن يكونوا بعيداً عن السياسة لضمان المهنية والاستمرارية.

الخلاصة

أن تكون الخدمة المدنية بعيداً عن السياسة يعني أن تخدم الدولة وليس الحاكم وهو الطريق نحو “دولة القانون والمؤسسات.

لا يمكن لدولة أن تتطور وتزدهر إذا كانت الوظائف في دوائر الدولة تُوزع كغنائم حزبية، بل يجب أن تكون أمانة ومسؤولية في يد الكفاءات الوطنية المستقلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوي محمي