شؤون دوليةقضايا إفريقية

سعد محمد عبد الله يكتب: المشهد السياسي والأمني السوداني في ظل متغيرات إقليمية ودولية

 

 

كتب/ سعد محمد عبدالله

 

يشهد السودان حراكًا سياسيًا ودبلوماسيًا متسارعًا في الداخل والخارج، ونطالع بين الفينة والأخرى معلومات جديدة تُبث عبر وسائل الإعلام المختلفة، ويتزامن ذلك مع تطورات ميدانية متلاحقة تتمثل في تصاعد العمليات العسكرية بين القوات المسلحة والقوات المساندة لها من جهة، ومليشيا الدعم السريع من جهة أخرى، بعد أن مُنيت الأخيرة بخسائر كبيرة في عدد من محاور القتال في النيل الأزرق ودارفور وكردفان، وفي الوقت ذاته، تتزايد التحذيرات الصادرة عن الحكومة السودانية والأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية والإنسانية من إحتمال وقوع كارثة إنسانية خطيرة نتيجة إستهداف المناطق المأهولة بالسكان باستخدام الطائرات المسيّرة والمدفعية الثقيلة، الأمر الذي دفع الحكومة إلى التأكيد بحزم على إلتزامها الكامل بتحمل مسؤولياتها في توفير الحماية للمدنيين المهجرين قسرًا من مناطقهم، وتقديم الرعاية الصحية والإغاثية للنازحين والمتضررين، باعتبار أن حماية المواطنين تمثل أولوية وطنية لا تقبل التأجيل أبدًا، مهما تعقدت الظروف الأمنية والعسكرية.

 

في موازاة التطورات العسكرية الجارية، تبرز تحركات دبلوماسية تقودها كل من المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية بالتنسيق مع قيادة الحكومة السودانية والهيئات الدولية المعنية بالشأن السوداني، بهدف دعم الجهود الرامية إلى إيجاد حلول سياسية ناجعة تحفظ أمن السودان وإستقراره ووحدة أراضيه وسيادة مؤسساته الوطنية، مع رفض أي محاولات لفرض واقع سياسي جديد عبر إنشاء حكومة موازية في مناطق النزاع تحت أي ذريعة؛ كما رحبت الأمم المتحدة بقرار الحكومة السودانية تمديد فتح معبر أدري الحدودي لمدة ثلاثة أشهر إضافية، بما يضمن إستمرار تدفق المساعدات الإنسانية إلى المتضررين، وهو ما يعكس حرص الخرطوم على التوفيق بين متطلبات الأمن القومي والإلتزامات الإنسانية، ويؤكد إستعدادها للتعاون مع المجتمع الدولي لتخفيف معاناة المدنيين وفق الضوابط التي تحفظ سيادة الدولة.

 

في إطار مساعٍ لتعزيز الحضور السوداني على الساحة الدولية، يشارك وفد وطني رفيع المستوى في أعمال أسبوع الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب لعام 2026م، المنعقد بمقر المنظمة الدولية في نيويورك خلال الفترة من 26 يونيو إلى 2 يوليو، في خطوة تعكس إلتزام السودان بمكافحة الإرهاب بجميع أشكاله وتجفيف منابعه، وتعزيز التعاون الدولي لمواجهة التهديدات الأمنية العابرة للحدود، خاصة في ظل الأوضاع المعقدة التي تشهدها منطقة القرن الأفريقي والساحل والصحراء، إلى جانب الإضطرابات المتصاعدة في منطقة البحر الأحمر، وتتزامن هذه المشاركة المهمة مع إعلان مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة عقد جلسة طارئة لمناقشة تطورات الأوضاع في مدينة الأبيض ومحيطها، في ظل تصاعد المخاوف من تعرضها لهجمات جديدة تشنها مليشيا الدعم السريع والمرتزقة الذين يقاتلون إلى جانبها، الأمر الذي يسلط الضوء بوضوح على حجم التحديات الإنسانية والأمنية التي تواجه البلاد، ويؤكد أهمية تكثيف جهود الدولة بالتنسيق مع المؤسسات الدولية لحماية المدنيين ومنع إرتكاب المزيد من الفظائع والإنتهاكات بحقوق الإنسان.

 

إنطلاقًا من هذه المعطيات، فإن قراءة واقع المشهد السياسي والأمني في السودان تقتضي متابعة دقيقة لمجريات الأحداث وتحليلها بعيدًا عن الأحكام المسبقة أو الروايات المجتزأة، بما يسهم في تكوين رؤية أقرب إلى الواقع السوداني؛ كما أن المرحلة الراهنة تتطلب من الحكومات والهيئات والمنظمات الإقليمية والدولية التعامل مع الأزمة السودانية بمنظور موضوعي يستند إلى الحقائق الميدانية، لا إلى التقارير التي تُحاك في عتمة الظلام، وينبغي العمل بشفافية ومسؤولية على وضع خطة إستراتيجية مشتركة تُوضع بالتنسيق مع الحكومة السودانية لمعالجة التداعيات الأمنية والإنسانية التي خلفتها الهجمات المسلحة في مختلف أنحاء السودان، وأيضًا لا بد من ضمان وصول المساعدات إلى مستحقيها، وتحقيق العدالة من خلال مساءلة المسؤولين عن الجرائم والإنتهاكات وفق القوانين السودانية والدولية، بما يمنع محاولات الإفلات من العقاب، ويؤسس لمرحلة أكثر إستقرارًا تحفظ سيادة السودان، وتصون أمنه ووحدة أراضيه وكرامة شعبه العظيم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوي محمي