الأخبارتقاريرثقافة وفنون

“جداريات الخرطوم”.. 67 فنانًا يرسمون على جدران العاصمة حكاية وطنٍ يقاوم الحرب

 

الخرطوم/ خالد الفكي

 

في المكان الذي كانت الحرب تترك فيه ظلالها الثقيلة، بدأت الألوان تستعيد حقها في الحياة. وعلى امتداد شارع النيل، من جسر توتي حتى منطقة الإسكلاء، لم تعد الجدران مجرد إسمنت صامت؛ فقد تحولت إلى لوحات مفتوحة، تتنفس بالألوان وتستعيد للخرطوم شيئاً من وجهها الذي أرهقته الحرب.

هناك، حيث يمكن للمدينة أن ترى النيل وهو يمضي هادئاً في طريقه، دشن وزير الثقافة والإعلام والسياحة بولاية الخرطوم، الأستاذ الطيب سعد الدين، مرسم جداريات الخرطوم، بمشاركة أكثر من 67 فناناً تشكيلياً ورساماً وخطاطاً ونحاتاً، في مبادرة تنفذها هيئة الطرق والجسور ومصارف المياه بالولاية بالتعاون مع المبدعين.

لم يكن المشهد مجرد افتتاح لمرسم، بل بدا كأنه إعلان رمزي عن انتقال الخرطوم من زمنٍ كانت فيه الجدران تحفظ آثار الرصاص، إلى زمنٍ يُراد لها فيه أن تحفظ ملامح الجمال.

«مكان الطلقة.. عصفورة تحلق فوق نافورة»؛ هكذا اختصر الفنانون حلمهم، في عبارة بدت كأنها بيانٌ شعري لمدينة تتطلع إلى أن تستبدل أدوات الحرب بأدوات الحياة، وأن تجعل من اللون لغةً للسلام، ومن الجدار نافذةً تطل منها على المستقبل.

وقال وزير الثقافة والإعلام والسياحة إن المشاركة الواسعة للمبدعين، منذ اليوم الأول للمشروع، تؤكد حرص أهل الفنون على الإسهام في إعادة إعمار الخرطوم، مشيراً إلى أن مشاركة أكثر من 67 فناناً تشكيلياً ورساماً تمثل رسالة واضحة بأن المبدعين حاضرون في معركة البناء، وأنهم يريدون أن يروا وطناً يسوده السلام، وتتحول فيه أدوات الحرب إلى أدوات للحياة والجمال.

وأضاف سعد الدين أن والي الخرطوم، الأستاذ أحمد عثمان حمزة، وقف على الموقع قبل أربعة أيام، ووجه بإزالة الظواهر والممارسات السالبة التي تشوه واحدة من أجمل مناطق العاصمة، لتتحرك محلية الخرطوم على الفور بإزالة تلك المظاهر والانخراط في أعمال النظافة والتأهيل.

وبالتوازي مع ذلك، تعمل وزارة الثقافة والإعلام والسياحة بالولاية على إعداد تصميم جمالي وتحويل الموقع إلى معلم سياحي جاذب، عبر تكليف جهة متخصصة يتوقع أن تستكمل أعمالها خلال الأيام المقبلة.

وفي هذا المشهد الجديد، لا تبدو الجدران مجرد مساحة للرسم، ولا الألوان مجرد زينة عابرة؛ فكل خط قد يصبح شهادة على أن الخرطوم، مهما أثقلتها الحرب، لا تزال قادرة على استدعاء الحياة من بين الركام.

وحين يضع فنانٌ فرشاته على جدارٍ أنهكته آثار العنف، فإنه لا يرسم لوحة فحسب؛ بل يكتب وعداً.

وعداً بأن الخرطوم يمكن أن تستعيد صوتها دون رصاص، وأن يعلو فيها خفق جناح عصفورة فوق هدير المدافع، وأن يكون مكان الطلقة.. عصفورة تحلق فوق نافورة.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوي محمي