الكاتب المغربي كريم ادريسي يكتب.. التحولات الأمنية في منطقة الساحل

التحولات الأمنية في منطقة الساحل: قراءة جيوسياسية في تفاعلات الدولة والفاعلين المسلحين
تشهد منطقة الساحل الإفريقي خلال السنوات الأخيرة تحولات أمنية وجيوسياسية عميقة أعادت تشكيل طبيعة الصراع داخل المنطقة، وأبرزت تداخلا متزايدا بين الفاعلين الدولتيين وغير الدولتيين. ولم يعد الإرهاب في الساحل مجرد ظاهرة أمنية معزولة، بل أصبح جزءا من معادلة إقليمية ودولية معقدة ترتبط بإعادة توزيع النفوذ، وصراع الممرات الاستراتيجية، والتحكم في المجالات الحدودية الهشة.
في هذا السياق، تبرز مالي باعتبارها مركزا رئيسيا لإعادة تشكيل التوازنات الجيوسياسية في الساحل، خاصة مع تصاعد نشاط الجماعات المسلحة، وعلى رأسها جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، وتنامي التحالفات التكتيكية بين الحركات الانفصالية والتنظيمات الجهادية. ويعكس هذا الواقع ما تشير إليه أدبيات العلاقات الدولية حول “تآكل احتكار الدولة للعنف”، حيث تصبح بعض المناطق الطرفية فضاءات مفتوحة لتنافس قوى متعددة على النفوذ والسيطرة.
ومن منظور جيوسياسي، فإن هشاشة الحدود الممتدة بين مالي والجزائر والنيجر وموريتانيا تساهم في إنتاج ما يُعرف بـ”المجالات الرمادية الأمنية”، وهي مناطق يصعب فيها الفصل بين النشاط العسكري، والوساطة السياسية، والاقتصاد غير الرسمي، والحركات العابرة للحدود. هذه البيئة سمحت بظهور أنماط معقدة من التفاعل بين الحكومات، والجماعات المسلحة، وشبكات التهريب، والقوى الدولية المتنافسة.
ضمن هذا الإطار، تحتل الجزائر موقعا محوريا في معادلة الساحل، بحكم موقعها الجغرافي، وثقلها الأمني، وتاريخها الطويل في الوساطات الإقليمية، خاصة منذ اتفاق الجزائر لعام 2015 الخاص بمالي. ومن الطبيعي، وفق منطق “القوة الإقليمية” في العلاقات الدولية، أن تسعى الجزائر إلى الحفاظ على الاستقرار في محيطها الجنوبي، لما يشكله الساحل من عمق استراتيجي مباشر لأمنها القومي.
غير أن تعقيد المشهد الميداني وتشابك العلاقات بين الفاعلين المحليين والإقليميين يجعل الدور الإقليمي لأي دولة عرضة للتأويلات والقراءات المتباينة، خصوصا في ظل استمرار الاتصالات غير المباشرة مع مختلف الفاعلين المسلحين في إطار الوساطات أو إدارة الأزمات. ففي العديد من النزاعات المعاصرة، تلجأ الدول إلى قنوات تواصل غير رسمية مع جماعات مسلحة بهدف الاحتواء أو التفاوض أو منع انتقال التهديدات إلى أراضيها، وهو ما تفسره نظريات “الواقعية السياسية” باعتباره سلوكا براغماتيا مرتبطا بحسابات الأمن القومي أكثر من كونه اصطفافا أيديولوجيا.
كما أن تطور نشاط الجماعات المسلحة في الساحل لا يمكن فهمه فقط من خلال البعد المحلي، بل يجب ربطه أيضا بالتحولات الدولية الكبرى، خاصة عودة التنافس بين القوى الدولية على إفريقيا، وتصاعد أدوار روسيا وتركيا والقوى الغربية داخل المنطقة. فالساحل أصبح اليوم ساحة لتقاطع مشاريع النفوذ الدولي، ومجالا لإعادة هندسة التحالفات الأمنية والعسكرية.
وتؤكد هذه التطورات صحة العديد من الطروحات الجيوسياسية التي تعتبر أن “الفراغات الأمنية” غالبا ما تتحول إلى فضاءات لإعادة إنتاج السلطة خارج الأطر التقليدية للدولة. فالجماعات المسلحة في الساحل لم تعد تتحرك فقط بمنطق التمرد العسكري، بل باتت تسعى إلى بناء أنماط حكم محلية، وفرض تصورات سياسية ودينية بديلة، مستفيدة من ضعف الدولة المركزية وتراجع التنمية وتفكك البنى الاجتماعية.
في ضوء ذلك، تبدو أزمة الساحل أكثر تعقيدا من اختزالها في ثنائية “إرهاب” و”مكافحة إرهاب”. نحن أمام أزمة بنيوية متعددة الأبعاد تتداخل فيها الجغرافيا السياسية، والأمن الحدودي، والتنافس الدولي، والهويات المحلية، والاقتصاد غير الرسمي، والتحولات الإقليمية.
وعليه، فإن استقرار الساحل لن يتحقق فقط عبر الحلول العسكرية، بل يتطلب إعادة بناء الدولة الوطنية، وتعزيز التعاون الإقليمي، وإنتاج مقاربة أمنية وتنموية شاملة تعالج جذور الأزمة بدل الاكتفاء بإدارة نتائجها.
#باحث في العلاقات الدولية والعلوم السياسية. مستشار في المركز المغربي للدراسات الافريقية والتنمية المستدامة

