السفير معاوية البخاري يكتب: مذكرة التفاهم المؤجلة بين واشنطن وطهران

مذكرة التفاهم المؤجلة بين واشنطن وطهران: الوساطة الباكستانية–القطرية بين منع الحرب وإدارة التوازنات!؟
السفير.د. معاوية البخاري
في منطقةٍ تقف على حافة الاشتعال، تبدو مذكرة التفاهم المنتظرة بين الولايات المتحدة وإيران وكأنها اتفاق لم يولد بعد، رغم أن كثيرًا من تفاصيله الأساسية باتت جاهزة منذ أيام. فالتسريبات المتقاطعة من واشنطن وطهران والعواصم الوسيطة تشير إلى أن الوثيقة المطروحة تتضمن مسارين متوازيين: مسارًا أمنيًا عاجلًا يهدف إلى تثبيت وقف إطلاق النار وضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز، ومسارًا استراتيجيًا مؤجلًا يعالج الملفات الأكثر تعقيدًا، وفي مقدمتها البرنامج النووي الإيراني، والعقوبات، والصواريخ، وترتيبات النفوذ الإقليمي.
غير أن المعضلة الحقيقية لم تعد في كتابة النصوص، بل في البيئة السياسية والعسكرية المحيطة بها؛ فالمذكرة تقف اليوم بين ضغوط الداخل الأمريكي، وتشدد المؤسسة الإيرانية، وهواجس إسرائيل، وقلق الخليج، واحتكاكات هرمز التي قد تنسف كل شيء خلال ساعات.
اتفاق جاهز… لكنه بلا ضمانات
المشهد الحالي يوحي بأن المذكرة ليست اتفاق سلام نهائيًا، بل “هدنة اختبار” تحاول تجميد الحرب لا إنهاءها. فواشنطن وطهران تدركان أن استمرار التصعيد المباشر يهدد المنطقة بأكملها، لكنهما في الوقت ذاته لا تثقان ببعضهما إلى الحد الذي يسمح بتسوية شاملة.
ولهذا جرى تقسيم التفاهم إلى مرحلتين:
الأولى أمنية قصيرة المدى، تقوم على قاعدة “خفض التصعيد مقابل ضبط الميدان”، بحيث تلتزم إيران بعدم تهديد الملاحة والطاقة في الخليج، مقابل امتناع واشنطن عن توسيع الضربات العسكرية وفتح مسارات تخفيف محدودة للعقوبات.
أما المرحلة الثانية، فهي مؤجلة عمدًا، لأنها تتصل بالملفات التي يصعب حسمها دفعة واحدة، مثل تخصيب اليورانيوم، ومستقبل البرنامج النووي، والصواريخ الباليستية، وشبكات النفوذ الإقليمي.
لكن المشكلة الجوهرية أن الاتفاق حتى الآن بلا ضامن حقيقي؛ فلا توجد آلية رقابة دولية صارمة، ولا تفاهمات نهائية بشأن قواعد الاشتباك، ولا ثقة سياسية مستقرة تسمح بامتصاص الحوادث الميدانية.
ترامب بين “ماغا” وضغط إسرائيل
الرئيس الأميركي دونالد ترامب يتحرك داخل توازن شديد التعقيد. فهو يدرك أن حربًا واسعة في الخليج ستضرب الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة، وقد تنعكس سلبًا على الداخل الأميركي، لكنه في المقابل يواجه ضغطًا متزايدًا من تيارات محافظة داخل معسكر “ماغا”، ترى أن أي تفاهم مع إيران يمثل تراجعًا استراتيجيًا يمنح طهران فرصة لإعادة ترميم قدراتها.
إلى جانب ذلك، تقف إسرائيل بوصفها العامل الأكثر حساسية في المشهد. فتل أبيب تنظر بعين الريبة إلى أي تهدئة طويلة مع إيران، وتعتبر أن الاتفاقات المرحلية تمنح طهران الوقت لإعادة تنظيم مشروعها النووي والعسكري. ولهذا تتزايد الضغوط داخل واشنطن لعدم تقديم تنازلات كبيرة، أو على الأقل إبقاء الضغط العسكري قائمًا حتى أثناء التفاوض.
وهنا يظهر التردد الأميركي الواضح؛ فبينما تتحدث التسريبات عن قرب تمرير مذكرة تفاهم لمدة زمنية محددة، تتعمد الإدارة الأميركية إبقاء الغموض قائمًا، وكأنها تريد الاحتفاظ بخيار التراجع أو إعادة التفاوض وفق تطورات الميدان.
إيران… بين البراغماتية والتشدد
في المقابل، لا تبدو طهران موحدة بالكامل خلف خيار التهدئة. فهناك تيار داخل الدولة الإيرانية يرى أن اللحظة الحالية تمثل فرصة لانتزاع اعتراف أميركي بدور إيران الإقليمي، وفتح نافذة اقتصادية تخفف آثار العقوبات.
لكن في المقابل، ترى دوائر متشددة، خاصة داخل الحرس الثوري، أن واشنطن تستخدم المفاوضات كغطاء لإعادة التموضع العسكري وتشديد الاحتواء طويل المدى.
ولهذا فإن أي حادث عسكري، مهما بدا محدودًا، قد يدفع طهران نحو تشدد أكبر. فالاحتكاكات البحرية المتكررة قرب مضيق هرمز، والحديث عن استهداف قوارب إيرانية أو تحركات عسكرية أميركية قرب الممرات الحيوية، لا تُقرأ في طهران باعتبارها “رسائل تكتيكية” فقط، بل كمحاولة لفرض قواعد ردع جديدة في الخليج.
ومن هنا يصبح خطر الانزلاق قائمًا دائمًا؛ إذ إن أي ضربة أميركية جديدة قد تستدعي ردًا إيرانيًا محسوبًا، ربما عبر الصواريخ أو عبر أدوات الضغط البحري والطاقة، بما يعيد المنطقة إلى دائرة التصعيد الواسع.
هرمز… الممر الذي يقرر مصير الاتفاق
لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر ملاحي، بل تحول إلى مركز اختبار يومي لمستقبل التفاهم الأميركي–الإيراني. فكل احتكاك بحري، وكل تحرك عسكري، وكل اقتراب بين الزوارق والقوات البحرية، يحمل احتمال التحول إلى شرارة سياسية وعسكرية كبرى.
الولايات المتحدة تبدو وكأنها تتبع سياسة “الضغط دون الانفجار”، أي تنفيذ عمليات ردع محدودة تبقي إيران تحت التهديد دون الوصول إلى حرب شاملة. لكن هذه المعادلة شديدة الخطورة، لأن الخطأ التكتيكي الواحد قد ينسف التفاهمات السياسية بأكملها.
أما إيران، فتدرك أن أمن الطاقة العالمي يمر عبر هرمز، ولذلك تستخدم المضيق كورقة ردع استراتيجية، مفادها أن استقرار الملاحة لا يمكن فصله عن استقرارها وأمنها القومي.
ولهذا فإن الخليج يعيش اليوم حالة “هدنة فوق بحر ملتهب”، حيث تبدو السياسة متقدمة خطوة واحدة فقط على احتمالات المواجهة العسكرية.
لماذا تتحرك باكستان وقطر؟
وسط هذا التعقيد، برزت الوساطة الباكستانية–القطرية بوصفها محاولة لمنع الانفجار لا لصناعة سلام شامل.
إسلام آباد دخلت على الخط بدوافع أمنية وجيوسياسية واضحة. فهي تدرك أن أي حرب واسعة في الخليج ستصيب اقتصادها مباشرة، وتهدد استقرار حدودها مع إيران، وتنعكس على ملفات الطاقة والتجارة والأمن الداخلي.
كما تحاول باكستان استعادة دورها الإقليمي بوصفها وسيطًا قادرًا على التواصل مع واشنطن وطهران معًا، مستفيدة من علاقتها التقليدية بالأميركيين، وعدم انقطاع قنواتها مع الإيرانيين.
أما قطر، فتتحرك انطلاقًا من إدراك عميق بأن أي انفجار في الخليج سيهدد البيئة الاقتصادية والأمنية التي بنت عليها نفوذها الإقليمي. ولهذا لعبت الدوحة دور “المسهّل السياسي” الذي يربط بين العواصم المختلفة، ويوفر قنوات اتصال غير مباشرة بين الأطراف المتصارعة.
الدوحة تدرك أيضًا أن نجاح أي تفاهم أميركي–إيراني سيعيد تشكيل خرائط النفوذ في المنطقة، ولذلك تحرص على أن تكون جزءًا من هندسة المرحلة المقبلة، لا مجرد مراقب لها.
هل تنجح المذكرة أم تنهار؟
حتى الآن، يبدو أن المنطقة ليست أمام اتفاق نهائي، بل أمام محاولة لإدارة الصراع بأقل قدر من الانفجار. فالمذكرة الحالية ليست تسوية تاريخية، وإنما ترتيب مؤقت يمنع الانهيار الكامل ريثما تُحسم توازنات الداخل الأميركي والإسرائيلي والإيراني.
لكن مستقبلها سيبقى مرهونًا بثلاثة عوامل رئيسية:
أولًا: قدرة ترامب على تمرير الاتفاق داخل مؤسسات الحكم الأميركية وتقديمه باعتباره إنجازًا استراتيجيًا لا تنازلًا لإيران.
ثانيًا: مدى انضباط الميدان البحري في هرمز، لأن أي احتكاك كبير قد يطيح بكل شيء خلال ساعات.
ثالثًا: حسابات إيران الداخلية، وما إذا كانت ستتعامل مع المذكرة كفرصة لخفض التوتر أم كمجرد استراحة مؤقتة في صراع طويل.
ولهذا فإن المشهد الحالي لا يشبه السلام، رغم ابتعاد طرفيه قليلا عن العمل العسكري الذي يستمر بقوة وقسوة في محور لبنان . وهو توصيف بقدر ما يشبه “إدارة مؤقتة للحرب”. فالجميع ينتظر تمرير مذكرة التفاهم ،و تجنب الانفجار، لكن لا أحدًا يملك حتى الآن ضمانة حقيقية تمنع وقوعه.
—————
٢٩ مايو ٢٠٢٦ م
