شؤون دولية

سعد محمد عبدالله يكتب: تأكيد موقف السودان تجاه القرارات الأمريكية

 

 

 

كتب/ سعد محمد عبدالله

 

كشف البيان الذي أصدرته وزارة الخارجية والتعاون الدولي، والمتداول عبر وسائل الإعلام، جانبًا مهمًا من طبيعة التعاطي السوداني مع المزاعم الأمريكية حيال إستخدام الأسلحة الممنوعة دوليًا في الحرب الجارية؛ إذ يوضح، في جوهره، أن تشكيل لجنة وطنية للتحقيق لم يكن محاولة للإلتفاف على إختصاصات منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، وإنما يعبر عن تحمل قيادة الدولة مسؤولياتها الأخلاقية تجاه بلادها، ويمثل خطوة منسجمة مع الإلتزامات التي تفرضها الإتفاقية الدولية ذاتها، والتي تمنح الدول الأطراف مسؤولية أولية في تقصي الحقائق حول وقائع الأحداث في البلد المعني، والتعاون مع الآليات الدولية؛ ومن ثم، فإن تصوير اللجنة الوطنية باعتبارها بديلًا عن المنظمة يُعد قراءة مقلوبة وغير دقيقة للحقائق الكامنة في مضمون الموقف السوداني الذي جرى توضيحه في البيان السابق للوزارة، ويعكس محاولة من الطرف الآخر لإضفاء مبررات سياسية على إجراءات سبق إتخاذها دون أدلة، أكثر من كونه توصيفًا قانونيًا وموضوعيًا لطبيعة الأزمة القائمة حاليًا والآليات التي إعتمدتها الحكومة السودانية في التعامل مع هذه القضية.

 

يسلط البيان الضوء على التناقض الواضح في الموقف الأمريكي تجاه السودان في قضية لم تخضع التقارير المتعلقة بها لتحقيق شامل، بل تم إصدار الأحكام قبل التحري، مما يثير الإرتياب من النوايا ويفتح تساؤلات محورية ينبغي التوقف عندها وتحليلها بعقل نقدي منفتح، دون أي تحيز أو تحامل لصالح جهة محددة، وهذه دعوة للكتّاب السودانيين والأمريكيين لوضع هذه القضية موضع حوار موضوعي حتى يُرفع الستار عن الحقيقة؛ فبينما تؤكد واشنطن أهمية التحقيق الدولي، فإنها تجاهلت مسارًا ثنائيًا إستمر عامًا ونيفًا مع الحكومة السودانية، دون أن تقدم خلاله أدلة مادية أو فنية تدعم مزاعمها لإثبات واقعة معقدة تحتاج إلى تحقيق، والأكثر دلالة أن السودان قد أبدى إستعدادًا لا لبس فيه لإستقبال لجنة خبراء أمريكيين بغية إجراء تحقيقات ميدانية مباشرة؛ كما قدم سفير السودان لدى جنوب أفريقيا، السفير عثمان أبو فاطمة آدم، شرحًا مفصلًا حول موقف السودان من قضايا الحرب والسلام، وذلك خلال مشاركته في جلسة إستماع للبرلمان الإفريقي، التي عُقدت بمدينة ميدراند بتاريخ 21 يوليو 2026م، وهو ما يعكس جدية الحكومة وشفافيتها في عرض موقفها أمام المحافل الإقليمية والدولية، وكان من الممكن أن يوفر هذا المسار أساسًا عمليًا للتحقق من تلك الادعاءات، وبناء جسر للعبور نحو سلام عادل، إلا أن تجاهله يثير تساؤلات مشروعة حول مدى جدية البحث عن الحقيقة وفق الأدلة الدامغة لإثباتها، وترسيخ الشفافية، وتحقيق العدالة الناجزة، ويعزز الإنطباع بأن العقوبات أتُّخذت في سياق سياسي سبق عملية الإثبات الفني والقانوني.

 

يثير هذا المسار إشكاليات تتجاوز العلاقات الثنائية بين السودان والولايات المتحدة، لتمس مصداقية النظام الدولي القائم على المعاهدات والمؤسسات متعددة الأطراف والأغراض، والتي يقع على عاتق الدول المنضوية تحتها حمايتها من أجل حفظ التوازن وتحقيق العدالة لشعوب العالم؛ فإذا أصبحت قرارات العقوبات الأحادية تُتخذ قبل إستكمال مسار إجراءات التحقق المنصوص عليها في الإتفاقيات الدولية، فإن ذلك يضعف الثقة في منظومة القانون الدولي، ويمنح الإعتبارات السياسية أولوية على المبادئ القانونية والإجرائية التي يجب التمسك بها أساسًا للعدالة الدولية، وهذا الأمر، إذا حدث، فإنه حتمًا، وبكل أسف، سيقود إلى غروب شمس العدالة عن سماء العالم، مما يعني الدخول جبرًا في عصر من الظلام، ومن هذا المنطلق، فإن إظهار إحترام إختصاصات منظمة حظر الأسلحة الكيميائية لا يتحقق فقط بدعوة الدول إلى التعاون معها في الخطابات العامة، وإنما أيضًا عبر الإلتزام الكامل بالإجراءات التي نصت عليها الإتفاقية قبل إصدار الأحكام أو فرض التدابير العقابية.

 

في هذا السياق، تبدو دعوة الحكومة السودانية إلى تحييد المؤسسات الدولية عن الإستقطابات السياسية بكل أشكالها دعوة تستحق الإهتمام من قبل الجميع، لأن فعالية المنظمات الدولية ترتبط بقدرتها على العمل باستقلالية ووفق معايير موحدة تُطبق على جميع الدول دون إنتقائية أو تمييز، وإن الإخلال بموازين القانون من قبل المؤسسات الدولية يخلق عالمًا شديد الظلام، يتحكم فيه نظام سياسي معطوب يعمل على تغييب الحقائق أمام القانون، وإضعاف المظلومين أمام الظلم في أي مكان؛ كما أن تأكيد الخرطوم إستمرار إلتزامها باتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية وإستعدادها التام للتعاون الكامل مع المنظمة يمثل رسالة تاريخية مفادها أن معالجة مثل هذه القضايا المعقدة ينبغي أن تتم عبر القنوات القانونية والفنية المعترف بها دوليًا، لا من خلال الضغوط السياسية أو الإجراءات الأحادية التي تُتخذ لإخضاع الدول الحرة؛ ولذلك، علينا جميعًا مواصلة النضال من أجل سودان جديد آمن ومستقر، والمساهمة في بناء نظام دولي يحفظ قيم العدالة الدولية، ويصون مبدأ سيادة القانون، ويحافظ على مساحة الإحترام المتبادل في العلاقات بين الدول.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوي محمي