السفير معاوية البخاري يكتب: دعوة الرئيس البرهان للحوار الوطني

دعوة الرئيس البرهان للحوار الوطني.. بين مقتضيات الداخل وأجندات الخارج!
متب/ السفير.د. معاوية البخاري
في خضم التحولات العاصفة التي يشهدها السودان، تأتي دعوة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة للحوار الوطني لتعيد إلى الواجهة سؤالاً ظل مؤجلاً منذ اندلاع الحرب: كيف يمكن للسودانيين أن يصنعوا مستقبلهم بأيديهم بعيداً عن البنادق والتدخلات الخارجية والاستقطابات التي مزقت المجال الوطني، وقعدت بمسيرة البلاد سياسياً!؟
إن أهمية هذه الدعوة لا تكمن في توقيتها فحسب، وإنما في كونها تطرح لأول مرة منذ اندلاع الحرب إمكانية الانتقال من إدارة الصراع إلى إدارة المستقبل. غير أن نجاحها لن يقاس بعدد المشاركين حول الطاولة، بل بقدرتها على إنتاج مشروع وطني مستدام يؤسس لسودان ما بعد الحرب.
لقد علمتنا التجارب السابقة أن الحوارات السياسية في السودان كثيراً ما تحولت إلى منصات لتقاسم السلطة والمغانم أو إعادة تدوير الأزمات، بينما ظل المواطن بعيداً عن نتائجها وادارة وجهتها لصالحه. واليوم، وبعد حرب دفعت البلاد أثماناً باهظة في الأرواح والاقتصاد والبنية التحتية والنسيج الاجتماعي، فإن المطلوب ليس حواراً سياسياً تقليدياً، وإنما حوار تأسيسي يعالج جذور الأزمة الوطنية، ويضع الأسس التوافقية الضابطة للتعاطي بشأنها.
وتظل الفكرة الأمثل لتجاوز الجدل التقليدي حول “من يشارك ومن يُستبعد” إلى سؤال أكثر جوهرية: كيف يتحول الحوار الوطني من حدث سياسي إلى مشروع تأسيسي وطني للدولة السودانية بعد الحرب؟ وفي هذا السياق تكمن منطلقاته الفكرية الوطنية لتعزيز أبعاد الدعوة وتجسيدها واقعاً.
أولاً: لماذا أصبح الحوار ضرورة وطنية؟
لم تعد الحرب مجرد مواجهة عسكرية بين أطراف متصارعة، بل أصبحت أزمة وطنية شاملة مست الدولة بكل مقدراتها والمجتمع والاقتصاد ومحيط السودان وعلاقاته الخارجية.
فقد تعرض الشعب لابشع الجرائم، ومؤسسات الدولة للاستنزاف، وتضررت قطاعات الصحة والتعليم والخدمات الأساسية، وهدمت حلقات الاقتصاد وتوسعت دائرة النزوح واللجوء، كما برزت تحديات جديدة تتعلق بإعادة الإعمار وإصلاح القطاع الأمني وتحقيق العدالة ومعالجة آثار الحرب الاجتماعية والنفسية، .
ومن ثم فإن إنهاء الحرب وحده لا يكفي، ما لم يترافق مع توافق وطني يؤسس لمرحلة جديدة ويمنع إعادة إنتاج أسباب الصراع، ويعزز الرؤية الوطنية الداعمة للاستقرار ومطلوباته.
ثانياً: ما الذي يجب أن يتجاوزه هذا الحوار؟
لكي ينجح الحوار الوطني، يجب أن يقفز فوق أخطاء الماضي التي ظلت تعيق كل المبادرات السابقة، وأبرزها:
• اختزال الحوار في النخب السياسية.
• تحويله إلى منصة للمحاصصات.
• رهنه للأجندات الخارجية.
• غياب الجداول الزمنية الملزمة.
• انعدام آليات التنفيذ والمتابعة.
• إقصاء قطاعات واسعة من المجتمع.
• تغليب المصالح الحزبية وأجندات الخارج على المصالح الوطنية.
• واضعاف البنية التنفيذية المدنية والسياسية الوطنية على حد سواء
فالحوار الذي يبدأ بأسئلة السلطة سينتهي إلى صراع حول السلطة، أما الحوار الذي يبدأ بأسئلة الدولة فسينتهي إلى بناء الدولة ورصف مسارها.
ثالثاً: تحصين الحوار من التدخلات الخارجية
لا يمكن إنكار أن السودان ظل طوال السنوات الماضية ساحة لتقاطعات إقليمية ودولية معقدة، ومرتعا لصراع النفوذ و الإرادات المتعارضة.
وتحت عناوين الوساطة والدعم السياسي والإنساني، دخلت أطراف عديدة إلى المشهد السوداني حاملة أجندات متفاوتة، بعضها يتقاطع مع مصالح السودان، وبعضها يرتبط بحسابات النفوذ والمنافسة الإقليمية.
ولهذا فإن نجاح الحوار الوطني يتطلب التمييز بين الدعم الخارجي وبين الوصاية الخارجية.
فالمطلوب أن يكون الخارج داعماً لما يتفق عليه السودانيون، لا صانعاً له.
كما ينبغي أن يستند الحوار إلى مبدأ واضح:
“القرار سوداني، والمساندة الخارجية مرحب بها ما دامت لا تملي خيارات السودانيين.”
إن أخطر ما يمكن أن يواجه أي عملية حوار هو انتقال مراكز صناعة القرار من الداخل إلى العواصم الخارجية، لأن ذلك سيعيد إنتاج الأزمة بصورة جديدة مهما كانت الشعارات المرفوعة.
ولنا في تاريخنا من المواعظ والعبر عبر المبادرات المختلفة التي ما تزال تمسك بتلابيب البلاد.
رابعاً: الاصطفاف الوطني بديلاً للاستقطاب
السودان اليوم لا يحتاج إلى اصطفاف سياسي ضد طرف بعينه، وإنما إلى اصطفاف وطني حول الدولة نفسها وتماسكها وتعظيم ارادتها وصون سيادتها وكرامة شعبها.
فالقضية لم تعد من يحكم، بل كيف يُحكم السودان؟
ولذلك ينبغي أن يقوم الحوار على مشتركات وطنية واسعة تشمل:
• وحدة السودان وسيادته.
• رفض المليشيات والسلاح خارج الدولة.
• حماية التنوع الثقافي والاجتماعي.
• ترسيخ المواطنة المتساوية.
• بناء مؤسسات حكم رشيد.
• تحقيق العدالة وسيادة القانون.
• إعادة الإعمار والتنمية المتوازنة.
• وصيانة الدستور والقوانين الوطنية
هذه المبادئ يمكن أن تشكل أرضية جامعة تتجاوز الانقسامات الحزبية والأيديولوجية.
خامساً: هيكل مقترح للحوار الوطني
حتى لا يتحول الحوار إلى منبر مفتوح بلا نهاية، يمكن تصميمه وفق هيكل واضح ومحدد:
المرحلة الأولى: التحضير (شهران)
تشمل:
• تشكيل لجنة وطنية مستقلة.
• إعداد ميثاق الحوار وموضوعاته.
• تحديد معايير المشاركة.
• إجراء مشاورات مجتمعية واسعة.
المرحلة الثانية: الحوار القطاعي (أربعة أشهر)
وتناقش خلالها الملفات الرئيسية:
• أسس الدستور وحوامله
• السلام والأمن.
• الحكم والانتقال السياسي.
• الاقتصاد وإعادة الإعمار.
• العدالة الانتقالية.
• العلاقات الخارجية.
• قضايا الشباب والمرأة.
• الخدمة المدنية والإصلاح المؤسسي.
المرحلة الثالثة: المؤتمر القومي الشامل (شهران)
لإجازة المخرجات النهائية وتحويلها إلى وثيقة وطنية ملزمة.
المرحلة الرابعة: التنفيذ والمتابعة (أربعة أشهر)
عبر مجلس تشريعي وطني للمتابعة والتقييم يضم ممثلين لمختلف المكونات.
وبذلك لا يتجاوز المسار بأكمله عاماً واحداً.
سادساً: آليات مبتكرة لضمان النجاح
للمرة الأولى يمكن أن يستفيد السودان من أدوات جديدة لم تكن متاحة في التجارب السابقة، ومنها:
• منصات إلكترونية للمشاركة الشعبية.
• جلسات استماع للمجتمعات المتضررة من الحرب.
• استطلاعات رأي دورية.
• لجان فنية مستقلة.
• مؤشرات أداء معلنة للرأي العام.
• تقارير شهرية عن مستوى التقدم.
فالحوار الناجح لا يقتصر على القاعات المغلقة، بل يمتد إلى المجتمع كله عبر حوار تفاعلي.
سابعاً: الأولويات العاجلة للحوار
ينبغي ألا تتشتت الأجندة في عشرات القضايا المتفرعة، بل تركز على خمس أولويات رئيسية:
1. استكمال النصر و تثبيت السلام وإنهاء آثار الحرب.
2. استعادة مؤسسات الدولة.
3. إعادة الإعمار وعودة النازحين.
4. الإصلاح الأمني والعدلي.
5. تأسيس انتقال سياسي مستقر يقود إلى انتخابات حرة.
هذه الأولويات تمثل القاسم المشترك الذي يلتقي حوله غالبية السودانيين.
خاتمة
لاشك أن بلادنا عبر مسيرتها تمتلك رصيدا وطنياً في هذا السبيل من تجارب الحوار على اختلاف الناس واتفاقهم حوله، بيد إن دعوة الحوار الوطني الحالية ان سلمت النوايا والمقاصد ، تمثل فرصة تاريخية قد لا تتكرر قريباً. علينا أن لا نحاكم منطلقاتها استباقا ، لكن نجاحها لن يتحقق بمجرد انعقاد جلسات أو إصدار بيانات ختامية، وإنما بقدرتها على التحول إلى مشروع وطني نهضوي شامل يعيد للسودانيين ثقتهم في أنفسهم ودولتهم ومستقبلهم.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن الرهانات الخارجية مهما بدت مغرية لا تستطيع أن تبني وطناً، وأن المبادرات المستوردة لا يمكن أن تحل محل الإرادة الوطنية مهما تجملت.
واليوم يقف السودان أمام مفترق طرق واضح: إما أن يصنع السودانيون توافقهم بأيديهم ويؤسسون لمرحلة جديدة من الاستقرار والبناء، وإما أن تظل البلاد رهينة للاستقطابات والتدخلات والصراعات التي أطالت أمد الأزمة وأهدرت الفرص تلو الأخرى دون اعتبار.
فالحوار ليس غاية في ذاته، وإنما وسيلة لإعادة تأسيس الدولة على أسس توافقية، وتحويل آلام الحرب إلى نقطة انطلاق نحو سلام دائم واستقرار مستحق وتنمية ينشدها السودانيون منذ عقود رغم الابتلاءات المتعاظمة.
وان هذه الرؤية الشخصية بمثابة جهد خاص يمكن تطويره الي ورقة سياسات اكثر عمقاً لتصبح خارطة طريق للحوار، تتضمن مصفوفة زمنية،وهيكل حوكمة وآليات اتخاذ القرار ومحددات العلاقة بين الحوار الوطني والفاعلين الإقليميين والدوليين، بما يجعله اقرب الي وثيقة عمل وطني قابلة للتنفيذ والتكاتف حولها.
—-////——-
٣١ مايو ٢٠٢٦ م

