محمد عبدالله الشيخ يكتب.. السودان وإثيوبيا.. فوارق ومفارقات

نصف رأي
محمد عبدالله الشيخ
السودان وإثيوبيا.. فوارق ومفارقات التعاطي مع الجوار والأمن والمصالح
سلوك الشخصية السودانية وطابعها وموروثاتها في التعاطي مع الآخر الأجنبي، يلقي بظلاله على التعاطي الرسمي للدولة على مستوى كل الأجهزة؛ فالأجنبي عندنا مرحب به، ويُعامل بأريحية وحرية كاملة أياً كان مستواه، وتعلو قيمة الحفاوة كلما علت طبقة الأجنبي ومستواه وميزاته الشخصية من تعليم ومال وحتى لون بشرته وجهة قدومه، إلى درجة تشمل حتى المتسولين.
وقد تتأثر متابعة ومراقبة الوجود الأجنبي بطوابع العاطفة السودانية في قالبها العام، إلا بعض الوثبات والحملات التي تستدعيها ظروف أمنية محددة، ليس لقلة كفاءة أو عدم تأهيل، وربما كانت هناك ثقة زائدة من الأجهزة المعنية تصل إلى درجة الاستهانة بالخطر، حتى أصبح هذا الإيقاع هو السائد في التعاطي مع الملف.
ويبدو الأمر مع إثيوبيا متجاوزاً لكل ذلك، إذ تضاف إليه كثير من التشابكات والتعقيدات سلباً وإيجاباً. ولندع الوجود والانتشار الإثيوبي داخل العاصمة وكل المدن السودانية والأرياف، مع كل ما يجده من امتيازات في حرية التنقل والعمل والتملك وحقوق أخرى من صميم حق المواطن، كقيادة المركبات العامة والتملك العقاري، ولندع كل ذلك، ولنحصر الحديث عن الحركة على حدود البلدين من وإلى المدن الحدودية: الكرمك، وقيسان مع البِيرو، والكرمك الحبشية، كمثال.
كيف هي الصرامة والحسم الأمني والانتشار والجدية لدى الطرف الإثيوبي، حتى قبل التوترات الأخيرة بين الدولتين، حيث يُسمح بعبور السودانيين إلى المدن الحدودية ووجودهم حتى ساعات محددة تنتهي قبل غروب الشمس، حيث تُطلق صافرات التنبيه بالخروج، مع التفتيش الدقيق، ومنع خروج بعض السلع بشكل قاطع، والسماح ببعضها بكميات في حدود الاستهلاك الشخصي.
فمثلاً يُمنع تماماً خروج البن والأحذية، ولا يُسمح إلا بكيلو واحد فقط من البن، وحذاء واحد شريطة أن يكون المنتعل له مرتدياً إياه. هذا مع التعامل الصارم مع أي سلوك فوضوي من مواطن سوداني. وأذكر هنا حادثة شاب سوداني كان في حالة سُكر بمنطقة على الحدود مع مدينة قيسان، حيث وقف الشاب على حنفية مياه تتبع لوحدة أمنية، فقامت الدنيا ولم تقعد، وتم توقيف كل الداخل والخارج، والتعامل بصرامة، وإغلاق الحدود تماماً لعدة ساعات حتى حضر أحد كبار المسؤولين واستجلى الأمر.
والغريب في الأمر هو التساهل مع تعاطي الخمور وحملها إلى داخل حدود السودان.
وفي المقابل، يدخل الأحباش من وإلى الكرمك وقيسان بأريحية، خاصة في أيام الأسواق، على الدراجات النارية والدواب ووسائل النقل المختلفة، ويمارسون التجارة دون أي قيود أو رسوم تُذكر. لكن الإشكال يكمن في انتشار السلع الاستراتيجية المدعومة من الدولة، كالدقيق والأرز والسكر والزيوت والمياه الغازية بمختلف العبوات. وربما دخلت هذه السلع بأيدٍ سودانية لا يهمها أمن البلاد الغذائي والاقتصادي، في الوقت الذي يمثل فيه المواطن الإثيوبي رقيباً حريصاً على أمن بلده.
الشيء المهم في أمر العلاقات السودانية الإثيوبية هو تلك الفوارق السلوكية في التعاطي مع القضايا الوطنية والمصالح المشتركة على المستوى الشعبي قبل الرسمي، بالرغم من أن كلا البلدين يبدو كتاباً مفتوحاً أمام الآخر. لكن تبقى النجاعة في مدى قدرة الأجهزة الرسمية عندنا على الاستفادة من فرص التقارب والتداخل الإثني والتصاهر والدم، وعوامل اللغة والسحنات في المناطق الحدودية، وتعاطف مواطني الأقاليم الحدودية في بني شنقول قمز، وقوة أواصرهم مع الحالة السودانية، ورفضهم لأي مساس بأهلهم أو كل ما يضر بهم ويهدد أمنهم واستقرارهم، بما حملهم على رفع السلاح وقيام حركات احتجاج مسلحة.
هذه الميزة تتفوق بها الحكومة السودانية بما لا يتوافر لإثيوبيا، ويبقى من السهل والمتاح للسودان دعم هذه الحركات نكاية بحكومة آبي أحمد وما تمارسه من عدوان علني تجاوز دعم المليشيا إلى انطلاق هجمات المسيّرات من داخل الأراضي الإثيوبية، وخرج العدوان من إطار التخفي خلف المليشيا إلى العلن. ويعلم آبي أحمد أن ما يتاح للحكومة السودانية داخل نظامه الزجاجي المتآكل غير متاح له، ولو تقوّى واستقوى بالدعم الإماراتي.
وعلى آبي أحمد إعادة قراءة المشهد بتروٍ وعقلانية، وأن يقدّر لرجله قبل الخطو موضعها، وأن يعرف من يعادي، بعيداً عن الذرائعية والادعاء الكاذب والزج بمصر فيما يجري.
هذا ما لدي،
والرأي لكم.

