شؤون دولية

السفير معاوية البخاري يكتب: أمريكا وإيران بين الحذر والتفاؤل؟!

أمريكا وإيران بين الحذر والتفاؤل:

 

 

السفير.د. معاوية البخاري

 

في ضوء التطورات المتسارعة خلال الأيام الأخيرة، تبدو العلاقة الأمريكية الإيرانية واقفة عند نقطة وسطى بين الحذر الاستراتيجي والتفاؤل المشروط. فمذكرة التفاهم التي يجري الحديث عنها لم تسقط بعد، لكنها لم تتحول أيضًا إلى اتفاق نهائي، بينما تتزاحم فوق طاولتها ملفات شديدة التعقيد تتجاوز البرنامج النووي إلى مضيق هرمز ولبنان والعقوبات والأموال المجمدة ومستقبل التوازنات الإقليمية. وتشير المعطيات المتاحة إلى أن الطرفين اقتربا من تفاهم أولي، لكن القرار النهائي ما يزال رهينة حسابات سياسية وأمنية داخلية وإقليمية معقدة.

في الشرق الأوسط لا تنتهي الحروب دائمًا باتفاقات سلام، كما أن الاتفاقات لا تعني بالضرورة انتهاء الحروب. وبين هذين الحدين تتحرك اليوم المفاوضات الأمريكية الإيرانية التي وصلت إلى مرحلة يمكن وصفها بأنها الأكثر حساسية منذ اندلاع المواجهة الأخيرة.

فعلى الرغم من التسريبات المتواترة بشأن التوصل إلى مسودة مذكرة تفاهم أمريكية إيرانية تمتد لستين يومًا وتؤسس لمسار تفاوضي جديد، إلا أن الاتفاق ما يزال معلقًا بانتظار القرار السياسي النهائي في واشنطن، بينما تتعامل طهران بحذر شديد مع أي التزام قبل الحصول على ضمانات ملموسة تتعلق بالعقوبات والأموال المجمدة وحرية الملاحة في مضيق هرمز.

 

مذكرة تفاهم أم هدنة مؤقتة؟

تشير المعلومات المتداولة إلى أن المذكرة المقترحة لا تمثل اتفاقًا نهائيًا بقدر ما تمثل إطارًا عاماً مرحليًا لإدارة الأزمة ومنع الانزلاق إلى مواجهة أوسع.

فالمسودة المطروحة تتضمن تمديد وقف إطلاق النار لمدة ستين يومًا، وإعادة فتح الملاحة التجارية في مضيق هرمز وفك الحصار على المواني الإيرانية ، وبدء مفاوضات تفصيلية حول الملف النووي الإيراني والعقوبات الاقتصادية والملفات الأمنية العالقة.

لكن اللافت أن القضايا الجوهرية لم تُحسم بعد، وإنما جرى ترحيلها إلى مرحلة لاحقة، وهو ما يفسر استمرار التردد الأمريكي والإيراني في آن واحد.

فالولايات المتحدة تريد ضمانات صارمة تتعلق بمخزون اليورانيوم عالي التخصيب وبرنامج إيران النووي، بينما تصر طهران على أن أي تنازل استراتيجي يجب أن يقابله انهاء كامل للحرب ورفع فعلي للعقوبات واستعادة جزء معتبر من أصولها المالية المجمدة.

 

لماذا يتردد ترامب؟

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يبدو مقتنعًا بأن فرصة التوصل إلى اتفاق ما تزال قائمة، لكنه في الوقت نفسه لا يريد الظهور بمظهر المتعجل أو المتنازل في سياق الأوضاع الداخلية.

داخل الإدارة الأمريكية توجد تيارات متباينة؛ فهناك من يرى أن اللحظة الحالية مناسبة لانتزاع أكبر قدر من التنازلات الإيرانية مستفيدين من الضغوط الاقتصادية والعسكرية التي تعرضت لها طهران، بينما يرى تيار آخر أن أي تشدد مفرط قد يؤدي إلى انهيار المسار التفاوضي بالكامل.

كما أن الحلفاء الإقليميين للولايات المتحدة، وعلى رأسهم إسرائيل، لا ينظرون بارتياح إلى أي تفاهم يمنح إيران متنفسًا اقتصاديًا أو سياسيًا دون معالجة شاملة لملفاتها الإقليمية والعسكرية.

ولهذا تبدو واشنطن وكأنها تمارس سياسة “الإبقاء على العصا مرفوعة أثناء التفاوض”، وهو ما يفسر التصريحات المتشددة الصادرة عن وزير الدفاع الأمريكي ومسؤولي البنتاغون رغم استمرار الاتصالات السياسية.

 

هرمز: المؤشر الأهم على جدية التسوية

رغم كل الضجيج السياسي، فإن المؤشر الأكثر أهمية ليس التصريحات بل حركة السفن.

فاستئناف العبور التجاري عبر مضيق هرمز يحمل دلالة استراتيجية عميقة؛ لأنه يعني أن الطرفين يدركان حجم الكلفة الاقتصادية المترتبة على استمرار الأزمة وحركة الأسواق.

لقد أثبتت الأشهر الماضية أن تعطيل المضيق أو تهديد الملاحة فيه لا يضر إيران وحدها أو الولايات المتحدة وحدها، بل يهز أسواق الطاقة العالمية بأكملها ويضع ضغوطًا كبيرة على الاقتصاد الدولي.

ومن هنا فإن عودة السفن التجارية إلى التحرك تمثل رسالة عملية بأن هناك إرادة مشتركة لمنع الانفجار الشامل حتى لو ظلت الملفات السياسية عالقة. ومع ذلك فإن إعادة فتح الممرات البحرية لا تعني انتهاء الأزمة، بل ربما تكون مجرد إجراء مؤقت لبناء الثقة بين الطرفين.

 

لبنان… العقدة التي لم تُحل

إذا كان هرمز يمثل الملف الاقتصادي، فإن لبنان يمثل العقدة الأمنية والسياسية الأكثر تعقيدًا.

فالجبهة اللبنانية لم تنجح حتى الآن في الوصول إلى تهدئة مستقرة. ولا تزال العمليات العسكرية المتبادلة والتوتر بين إسرائيل وحزب الله تشكل عامل تهديد مباشر لأي اتفاق أمريكي إيراني.

المشكلة أن واشنطن ترى أن أي استقرار إقليمي يجب أن يشمل خفض التصعيد على الجبهة اللبنانية، بينما تنظر طهران إلى لبنان باعتباره جزءًا من منظومة الردع الإقليمية التي يصعب التفاوض حولها بمعزل عن الملفات الأخرى.

وبالتالي فإن استمرار التوتر في جنوب لبنان قد يتحول إلى العامل الأكثر قدرة على إفشال أي تفاهم أمريكي إيراني حتى لو تم التوافق حول القضايا النووية والاقتصادية.

 

السيناريو الأول: نجاح الاتفاق المرحلي

وهو السيناريو الأكثر ترجيحًا في المدى القصير.

في هذا المسار يوقع الطرفان مذكرة التفاهم، وتُمدد الهدنة، وتستمر الملاحة في هرمز، بينما تنطلق مفاوضات تفصيلية حول القضايا الكبرى.

ميزة هذا السيناريو أنه يمنح جميع الأطراف فرصة لالتقاط الأنفاس ويخفف الضغوط الاقتصادية والعسكرية، لكنه لا يقدم حلولًا نهائية للمشكلات الأساسية.

بمعنى آخر سيكون اتفاق إدارة أزمة أكثر من كونه اتفاق حل أزمة.

السيناريو الثاني: تجميد الاتفاق واستمرار التفاوض

في هذا السيناريو لا تنهار المفاوضات ولكنها تبقى معلقة، ويرتفع مؤشر الحذر.

يستمر تبادل الرسائل والوساطات الإقليمية، وتبقى التهدئة الهشة قائمة، دون توقيع رسمي أو اختراق حقيقي.

وهذا الاحتمال ينسجم مع طبيعة المفاوضات الأمريكية الإيرانية تاريخيًا، حيث غالبًا ما تُستخدم المماطلة والتدرج كأدوات تفاوضية لتحسين الشروط قبل التوقيع.

السيناريو الثالث: العودة إلى التصعيد

يبقى هذا السيناريو قائمًا رغم أنه الأقل رغبة لدى الطرفين.

فحادث عسكري محدود في الخليج، أو انهيار الوضع في لبنان، أو ضغوط إسرائيلية داخل واشنطن، أو اعتراض التيارات المتشددة داخل إيران، قد يؤدي إلى انهيار التفاهمات والعودة إلى منطق القوة.

غير أن المؤشرات الحالية لا توحي بأن أيًا من الطرفين يسعى عمدًا إلى حرب واسعة، لأن تكلفة المواجهة أصبحت أعلى بكثير من تكلفة التفاوض.

 

إلى أين تتجه الأمور؟

المشهد الحالي لا يشير إلى سلام شامل، لكنه أيضًا لا يشير إلى حرب وشيكة.

الولايات المتحدة وإيران تبدوان أقرب إلى صيغة “إدارة الصراع” بدلًا من حسمه. فواشنطن تريد احتواء إيران لا إسقاطها، وطهران تريد كسر الضغوط لا خوض مواجهة مفتوحة.

ولهذا فإن المنطقة تقف اليوم أمام مرحلة انتقالية عنوانها الرئيسي: تفاوض تحت سقف التهديد، وتهديد تحت سقف التفاوض.

وقد يكون السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت مذكرة التفاهم ستُوقع أم لا، بل ما إذا كانت الأطراف المختلفة داخل الإقليم وخارجه ستسمح أصلًا بولادة تسوية تغير قواعد الاشتباك التي حكمت منطقة طوال السنوات الماضية:

تستند هذه القراءة إلى المعطيات المتداولة بشأن مشروع مذكرة التفاهم، واستمرار الخلافات حول هرمز والبرنامج النووي والأليتين والعقوبات، إضافة إلى هشاشة الوضع على الجبهة اللبنانية وتأثيره المباشر على فرص نجاح أي تسوية أوسع. وبالتالي تتأرجح الكفة بين الحذر الشديد والتفاؤل المحدود ، لتقى جهود الوساطة المشتركة ، الضغوط الاقليمية والدولية لاجل التسوية قائمة.

——————

٣٠ مايو ٢٠٢٦ م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوي محمي