حوارات ومقالات

محمد عبدالله الشيخ يكتب: الأبيض وإخواتها… السلعة الغالية والحلم المستحيل

 

 

نصف رأي

 

 

كتب/ محمد عبدالله الشيخ

 

 

أيامٌ قليلة مضت، كادت فيها قلوب المخلصين أن تبلغ الحناجر، أو تُحمل على الأكف، جراء تسمم الأجواء وتصاعد تأثير الشائعات. وكادت الأرض أن تضيق بما رحبت، بعد ذكريات الشؤم والتضييق المصطنع، المحمول على أجنحة الدولار، وهو يتصاعد، فيما يهوي الجنيه أمامه، وترتفع أسعار السلع، وتخنق أزمة الوقود البلاد.

وعاشت الأبيض، عروس الرمال وحاضرة كردفان الغرّاء، “أم خيراً جوة وبرة”، أياماً من التعس والعنت، تحصد فيها مسيّرات دويلة الإمارات أرواح الأبرياء، وتحرق طلمبات الوقود والمدارس، فيما ارتفعت أصوات الشفقة الزائفة على المدنيين من المنظمة الأممية الظالمة المنحازة وغيرها من منظمات تجارة الأزمات والشركات اللاهثة وراء موارد السودان وخيرات كردفان.

وتدعو تلك الجهات قادة المليشيا إلى توفير خروج آمن للمدنيين، وكأنهم أمسكوا بزمام الأمر، وآلت إليهم مقاليد الأمور، فيما تهللت وجوه المرجفين لدنو وعدٍ وأجلٍ ما هم ببالغيه، ولو بشق الأنفس، إلا على أجنحة العمالة، لينفثوا مزيداً من سمومهم عبر الشائعات، أملاً في هز ثبات أهل الأبيض، واختراق جدار تماسكها، وزعزعة ثقة مواطنيها في جيشهم والقوات المساندة.

غير أن المرجفين تناسوا أياماً كانت أشد سواداً وأكثر ضيقاً، تجاوزها أهل الأبيض وهم يلتفون حول قواتهم المسلحة، وقد تقطعت بها السبل، بلا سند ولا إمداد ولا زاد، وبقليل من العتاد، بينما كانت الهجانة “أم ريش” وحدها تهدي المواطنين الثقة، فكساهم الله هيبةً ما زالت باقية، حتى تنفست الأبيض من ضيقها، وارتوت بعد ظمئها، وتساقطت مسيّرات الدويلة، وطاش رميها، وطاشت معه آمال المرجفين والمنظمات، وعبست وجوههم، وعادت أكثر سواداً، قبل أن تكتمل فرحتهم بمعانقة عروس الرمال والظفر بها، بعد عجزهم عن سداد مهرها.

وظلت الأبيض تتمنع، وتبدي لهم مفاتنها التي يسيل لها لعاب الشهوة، لكنها تعلي من سقف شروط خاطبيها، فلا حظوة بها إلا بالقبول والرضا، أو بذهاب أوليائها: الهجانة، وأبطال الصياد، والقوات المشتركة، والدراعة، والبراؤون، والمخابرات، وأبو طيرة، والمقاومة الشعبية. وعندها ترتعد فرائص المليشيا، ويمضي الأبطال يبرّون بقسم رئيس هيئة الأركان قبل أن تغيب شمس يومه التالي، وهم يعلمون أن العطا، إذا أقسم، برّ بقسمه.

وانفتح بابٌ من الجحيم على المليشيا، لم تكن تحسبه، وهي التي ظنت نفسها الأكثر فطنة، فرفعت من نسق استهدافها لشمال كردفان، مدعومةً بغرف الدعاية، بغية الحيلولة دون تقدم القوات المسلحة نحو دارفور، في الحد الأدنى، إن لم تستطع إسقاط الأبيض.

غير أن مكر الكلية الحربية ودهاء القادة من أبوقمرة، وسربا، وكلبس، وجبل مون، قلب المعادلة، فنادت المدن بعضها بعضاً إلى حضن الوطن، فجاءت سركم ومغجة محمولتين على سواعد أبطال الفرقة الرابعة، وهم يغازلون الكرمك.

نعم… هكذا تنفست البلاد من ضيقها، وبدأ صبحها يبلج، وهكذا اقتضت الحكمة الإلهية أن أشد ساعات الليل ظلاماً هي التي تسبق الصبح. فانبلج صبح التحرير، ودخلت معظم مناطق الحواضن، وعادت إلى ظل الوطن عنوةً واقتداراً، فانقلب عسل المرجفين والمليشيا والمنظمات والدويلة إلى علقم، وحيل بينهم وبين ما يشتهون، وأفاقوا من غفوتهم وغيبوبتهم وحلمهم الجميل، ليستيقظوا على واقع مرير، ويعلموا أن الأبيض وإخواتها من المدن، إذا ولّت أمرها، فهي وحدها من يحدد مهرها.

هذا ما لدي… والرأي لكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوي محمي