خالد الفكي يكتب: شرطة المرور.. من استعادة البيانات إلى إعادة بناء الدولة

بقلم/ خالد الفكي
لا يمكن قراءة التحولات الجارية داخل الإدارة العامة للمرور بقيادة اللواء حاتم محمود، باعتبارها مجرد تحديث إداري أو تحسين لخدمات استخراج وتجديد الرخص. فاستعادة قواعد البيانات الكاملة للسيارات في السودان، بعد ما أصاب مؤسسات الدولة من اضطراب خلال الحرب، تمثل في جوهرها استعادة لجزء من «الذاكرة السيادية» للدولة، وامتلاكاً لأداة استراتيجية في حماية الملكية، ومكافحة الجريمة، وإعادة بناء منظومة الضبط الوطني.
وتكشف خطة المرور للعام 2026 عن انتقال تدريجي من الإدارة التقليدية إلى نموذج يعتمد على البيانات والتقنيات الذكية. فإتاحة تجديد رخص القيادة عبر منصة «ساري» من 16 دولة عربية، إلى جانب التتبع الجغرافي، والرقابة على تأمين المركبات، ومراقبة سرعة البصات السفرية، وإنشاء غرف تحكم ومراقبة في الولايات، تعني أن الدولة تتجه إلى بناء شبكة رقابة موزعة، قادرة على توسيع نطاق الاستجابة للحوادث والمخالفات والتهديدات المرتبطة بحركة المركبات.
غير أن القيمة الاستراتيجية لهذا التحول لا تتوقف عند التكنولوجيا. فتنفيذ 52 دورة تدريبية استفاد منها 536 ضابطاً و2625 فرداً، بإجمالي يتجاوز 3 آلاف منسوبي المرور، يعكس إدراكاً مؤسسياً بأن التحول الرقمي لا ينجح بالأجهزة وحدها، بل يحتاج إلى رأس مال بشري قادر على تشغيل المنظومة وتحويل البيانات إلى قرارات.
في المقابل، تظل البنية التحتية الحلقة الأكثر هشاشة في المعادلة. فتعطل سفلتة الطرق بسبب نقص مادة البيتومين، وتراجع إقبال الشركات على العطاءات نتيجة عدم استقرار العملة، يكشفان أن السلامة المرورية ليست ملفاً شرطياً منفرداً، بل نتيجة مباشرة للاستقرار الاقتصادي وقدرة الدولة على إدارة سلاسل الإمداد.
الاستنتاج الأهم أن مشروع المرور في 2026 ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره جزءاً من مشروع أوسع لإعادة بناء الدولة بعد الحرب. فالدولة التي تستعيد بيانات مركباتها، وتدرب أكثر من 3 آلاف من كوادرها، وتوسع الرقابة الذكية على طرقها، تبدأ عملياً في استعادة قدرتها على إدارة المجال العام.
ومن هنا، فإن نجاح هذه الخطة سيقاس ليس بعدد الأجهزة أو غرف التحكم، بل بقدرتها على تحويل البيانات إلى أمن، والتقنية إلى خدمة، والانضباط إلى ثقافة عامة.

