حراك الزكاة.. تجديد الدماء وتواضع الرجال في «طي»

نصف رأي
كتب/ محمد عبد الله الشيخ
مدخل:
عندما سُئل أحد كرماء قبيلة طي عن حاتم الطائي، قال: «أنا أحد رجال طي، وحاتم أوحدها».
يشهد ديوان الزكاة حراكًا كبيرًا، جراء ما يجري في أروقة الولايات والأمانة العامة؛ حراكٌ يتراوح بين تجديد الدماء، وسد الثغرات، ونقل الخبرات، إلا أنه لا يخلو، بل تغلب عليه، دموع الأحزان والعبرات، جراء مغادرة سلة طيبة من البدريين الأبكار، أهل البذل والعطاء، وترجلهم إلى المعاش بعد عقود من العطاء المتفاني، حفروا خلالها بأظافرهم على صخور المستحيل الصلدة.
يوم أن جاءت الزكاة فكرةً بين الأوراق، وتجربةً تتلمس خطاها في دهاليز الواقع السوداني المتعفف آنذاك، بدأت غريبة، كبداية الدعوة الإسلامية نفسها، إلا أن عزم الرجال وصبرهم وجلدهم وتفانيهم مضى بها إلى أن بلغت الآفاق، وذاع صيتها، وكبر ريعها، فصار ديوان الزكاة رقمًا كبيرًا في المعادلة الوطنية، بكل تفاصيلها وتجلياتها.
وما مرت به البلاد من منعطفات وأزمات، كان لديوان الزكاة فيها السهم الأكبر، بفضل أولئك الرجال. ولم يكن ذلك الانطباع الطيب عن العاملين في ديوان الزكاة، ممن ترجلوا إلى المعاش أو انتقلوا من موقع إلى آخر لسد ثغرة، ونقل خبرة، وإرساء فكرة، مجرد انطباع محدود ومحاصر وسط زملائهم في الزكاة؛ بل كان فقدهم حدثًا عاشه المجتمع، يذكر ويشكر ما قدموا وأعطوا وأبلوا.
وأذكر هنا، من باب التدليل والاستشهاد على مكانة أهل الزكاة في المجتمع والجهاز التنفيذي للدولة، تقريرًا إخباريًا ينقل حالة من الفرح، بعد أن وجمت القلوب وحزنت، حين كان الأستاذ نور الدين سليمان الضي حقار يستعد للترجل إلى المعاش، بعد حضور خلف الخير المبارك، مولانا أحمد إبراهيم عبدالله، أمينًا للزكاة بالإقليم خلفًا للأستاذ نور الدين حقار.
وبينما تجري الاستعدادات للتسليم والتسلُّم، جاء ما أفرح العاملين ببقاء الأستاذ نور الدين أمينًا للإقليم حتى نهاية إجازته في آخر ديسمبر. وقد وقع الخبر على الجهاز التنفيذي والقطاعات المعنية بمعركة الكرامة موقعًا أسلج الصدور، لاستكمال مشاوير مشتركة والتخطيط لعام قادم يبدأ بوضع ميزانيته وخطته.
وللأستاذ نور الدين، ولخلفه، نقول إن النيل الأزرق لها حظ عظيم؛ فإن ترجل نور الدين، كان خلفه رجل مهول، صاحب تجربة كبيرة وخبرة طويلة ومعرفة بالإقليم، من خلال التواصل والمتابعة.
والمهم في النيل الأزرق أن هذه الحالة تأتي دلالةً على المكانة التي يأخذها ديوان الزكاة لدى السلطات والأجهزة التنفيذية في الولايات، مما جعل الحكومات الولائية تبدو راضية، بل متمسكة بالأمناء، وتقدم الرجاءات لإكمال مشاويرهم.
ولم يكن إقليم النيل الأزرق استثناءً، بل هي حالة من الاحتفاء والتكريم والتقدير انتظمت كل الولايات، لمن نُقل أو ترجل إلى المعاش.
رأينا ذلك في كسلا، حيث ترجل الأستاذ حامد أحمد حامد إلى المعاش، ورأيناه في سنار مع الأستاذ إبراهيم يوسف ونائبه الأستاذ محمد أحمد موسى، وفي نهر النيل مع الأستاذ سليمان علي عبدالله؛ في دلالة واضحة على مكانة يحتلها ديوان الزكاة والعاملون فيه، وعلى الاحترام والتقدير والاحتفاء الذي يُنزل به العاملون والسادة الأمناء.
لكن تبدو الحالة في النيل الأزرق أكثر تجليًا ورسوخًا، لأسباب خاصة بطبيعة وشكل العلاقات وتشابك الرسمي بالخاص، وفي مقدمتها علاقة الأستاذ حقار المتجذرة بالمجتمع، والتي امتدت لعقود من الزمان.
عرف الإقليم بشره وشجره، وجغرافيته وتاريخه، وتواصل مع المجتمع، وتناغم مع إيقاعه، وعرف حاجاته ومداخله؛ مجتمعًا لا يُروَّض إلا بالحسنى، وبالإلمام والإحاطة بهذه المعطيات.
وبذلك كسب نور الدين، مثل إخوانه في بقية الولايات، مساحات من الود والاحترام لشخصه وللديوان.
كان الظرف سلاحًا ذا حدين: إما أن يكون الديوان قدر التحدي والعشم، رغم ما بالحال من خصاصة، وإما أن يستسلم ويتذرع بنقص الإيرادات وفقدان عموده الفقري في الجباية.
فتوكل حقار، وخاض الغمار، وقبل التحدي، وبحسن النوايا وصدق الطوايا، كتب الله العبور، ووفّق في التحدي الأكبر، في سد الكثير من حاجات المرابطين في الثغور.
من هنا جاءت خصوصية التعبير وارتفاع عقيرته دون غيره، لكنه، في المجمل، ينبئ عن مكانة يتبوأها ديوان الزكاة والعاملون فيه.
فلو سألت حقار، سيقول، كما قال أحد كرماء قبيلة طي: «أنا أحد رجال الزكاة، وبشير عمر أوحدها».
ولو سألت بشير، لقال: «أنا أحد رجال الزكاة، وحامد أوحدها».
ولو سألت حامد، لقال: «أنا أحد رجال الزكاة، وسليمان علي أوحدها».
ولو سألت سليمان، لقال: «أنا أحد رجال الزكاة، وإبراهيم أوحدها».
أما ذلك الثلاثي المضيء، الواجهة، رجل التحدي الصلد الصلب، الدكتور الهمام الأمين علي، فهو رجل في مقام التحدي ومقاس المرحلة.
وامرأتان تمثلان شموخ المرأة في الزكاة، لن تنسى إحداهن الموعد، لتذكرها الأخرى. وستكون لبنى على الموعد، تكمل ما بدأتْه مدينة، صاحبة الإرث وسيدة العبور من عنق الأزمة إلى بر الأمان، وستضيف لبنى بصمتها.
هكذا أسماء خُلّدت في ذاكرة العطاء؛ ليمضي منهم من ترجل إلى المعاش، تاركًا بصمة، ومن انتقل محافظًا على إرث وناقلًا لخبرة.
هذا ما لدي، والرأي لكم.

