بين الكوفة والنصر… ارتبطت المعاني والمباني

صرير القلم
د. معاوية عبيد
لم تكن المدن في تاريخ الإسلام مجرد تجمعات سكانية أو مبانٍ تتجاور فيها البيوت والأسواق، بل كانت في كثير من الأحيان مشروعاً حضارياً متكاملاً تتداخل فيه مقتضيات الأمن مع متطلبات العمران وتلتقي فيه رسالة الدولة مع حاجات المجتمع ومن بين تلك المدن التي ارتبط اسمها بالتاريخ العسكري والسياسي الإسلامي تبرز مدينة الكوفة بوصفها نموذجاً لمدينة نشأت في سياق التحولات الكبرى التي شهدتها الدولة الإسلامية .
في عهد الرسول صل الله عليه وسلم، لم تكن هناك ثكنات عسكرية دائمة أو مجمعات سكنية مخصصة للجنود بالمعنى الحديث بل كان المجتمع المسلم يتفاعل مع مقتضيات النفير والجهاد وفق طبيعة المرحلة، فالرجال كانوا يعيشون بين أهليهم يمارسون أعمالهم ويستجيبون لنداء الدولة حين تستدعي الضرورة في صورة جسدت وحدة المجتمع وتكامل أدواره .
أما أهل الصُّفَّة: كانوا بمثابة القوة العسكرية الجاهزة أو “كتيبة الطوارئ”، وهم مجاهدون من فقراء المهاجرين وعزّابهم ممن لا مأوى لهم وكانوا يسكنون في سقيفة (ظلة) مسجد النبي صل الله عليه وسلم، و تميز هؤلاء بتفرغهم التام فكانوا يتلقون العلم والتدريب وإذا بعث الرسول صل الله عليه وسلم سرية، كان يرسل منهم أولاً لسرعة استجابتهم وعدم انشغالهم بتجارة أو أهل .
ومع اتساع رقعة الدولة الإسلامية في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه بدأت الحاجة إلى تنظيم أكثر استقراراً للقوات الإسلامية خاصة بعد الفتوحات الكبرى في العراق والشام حيث أصبحت الجيوش تحتاج إلى مراكز متقدمة للإقامة والإعداد والإدارة تحفظ قوتها وتضمن سرعة تحركها ، وهنا جاءت الكوفة التي تأسست سنة 17 للهجرة تقريباً لتكون واحدة من أهم الأمصار الإسلامية ومركزاً عسكرياً وإدارياً في العراق وقد اختير موقعها بما يحقق أهدافاً استراتيجية تتعلق بالقرب من مناطق العمليات العسكرية وتوفير مقومات الاستقرار والإمداد للمقاتلين .
كان تأسيس تأسيساً لفكرة جديدة في إدارة الدولة والجيوش، فكرة تقوم على أن النصر تصنعه القدرة على التنظيم وتوفير الاستقرار وبناء المؤسسات التي تحفظ قوة الدولة وتدعم استمرارها ، لقد أدرك عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن المقاتل يحتاج إلى بيئة مستقرة وأن الجيش لا يمكن أن يؤدي رسالته بكفاءة إذا ظل بعيداً عن مقومات الحياة الأساسية ،ولذلك ارتبط تنظيم الأمصار بتوفير السكن وتوزيع العطاء وترتيب شؤون الجند بما يحقق التوازن بين متطلبات الحرب وضرورات الحياة
وهذه واحدة من الدروس العميقة التي يقدمها التاريخ.
إن تجربة الكوفة تفتح أمامنا باباً واسعاً للتأمل في العلاقة بين العمران والأمن وبين الاستقرار والانتصار وتؤكد أن بناء الإنسان لا ينفصل عن بناء المكان وأن الجيوش القوية تحتاج إلى مؤسسات قوية وأن الدول التي تستوعب دروس التاريخ هي الأقدر على مواجهة تحديات الحاضر وصناعة المستقبل .
ومن الكوفة إلى مجمع النصر السكني، تتواصل الفكرة وإن اختلف الزمان والمكان فالاهتمام بالجند ليس ترفاً عمرانياً وإنما ضرورة من ضرورات بناء المؤسسة العسكرية واستدامة قوتها وفي السودان تمثل المؤسسة الوطنية للإسكان العسكري واحدة من المؤسسات التي اضطلعت بمسؤولية توفير السكن لمنسوبي القوات المسلحة إذ تأسست بقرار من وزارة الدفاع في العام 1996م وأصبحت تتبع لرئاسة هيئة الأركان لتواصل مسيرة العمل في مجال الإسكان العسكري وتنتقل من تقديم السلفيات والمساعدات السكنية إلى تنفيذ المجمعات والمشروعات بصورة مباشرة وفقاً لما أوضحه الرائد مهندس النذير عبد الله محمد أحمد في حديثه عن مسيرة المؤسسة ومشروعاتها،ولعل مجمع النصر السكني يمثل إحدى الصور الواضحة لهذا التوجه حيث تتجسد فيه فكرة تحويل الاستحقاق السكني إلى واقع عمراني، يحقق الاستقرار ويمنح منسوبي القوات المسلحة وأسرهم مساحة من الطمأنينة .
وفي حديث العميد هاشم عوض الكريم نائب مدير عام المؤسسة تتجلى أبعاد أخرى لهذه الرسالة خاصة في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد وما فرضته معركة الكرامة من مسؤوليات مضاعفة تجاه القوات المسلحة ومنسوبيها وأسر الشهداء، فمعركة الكرامة لم تكن معركة في ميادين القتال وحدها وإنما كشفت عن أهمية التكامل بين الأدوار العسكرية والاجتماعية والإنسانية وبينما يخوض الجنود معارك الدفاع عن الأرض والعرض تبرز مسؤولية المؤسسات الوطنية في توفير مقومات الاستقرار والوفاء لمن قدموا أرواحهم دفاعاً عن السودان، ومن أسمى صور هذا الوفاء أن تمتد يد الرعاية إلى أسر الشهداء الذين فقدوا أبناءهم وأزواجهم وآباءهم في معركة الدفاع عن الوطن، فهؤلاء لا ينبغي أن يُتركوا لمواجهة الحياة وحدهم بل يجب أن يكونوا في مقدمة أولويات مؤسسات الدولة والمجتمع وأن تتحول تضحيات أبنائهم إلى عهدٍ مستمر بالرعاية والاهتمام .
وقالت سهام منصور إن الشراكة تمثل فرصة للإسهام في أداء واجب وطني تجاه شهداء معركة الكرامة وأسرهم، مؤكدة اعتزازها بالمشاركة في دعم هذه المشروعات من خلال العمل الإعلامي والترويجي.
وأضافت أن مسؤولية الصحفيين والإعلاميين لا تقتصر على نقل الأخبار والتغطية الصحفية، بل تمتد إلى توظيف علاقاتهم المهنية ومؤسساتهم الإعلامية في التعريف بالمشروعات واستقطاب الدعم لها من الجهات الحكومية والخاصة.
إن مشروعات إسكان أسر شهداء معركة الكرامة التي تعمل المؤسسة على تنفيذها في عدد من الولايات تحمل معنى يتجاوز البناء والتشييد ،إنها رسالة وفاء وعنوان تقدير وإقرار بأن التضحية من أجل الوطن لا تنتهي بانتهاء المعركة وأن مسؤولية الدولة تجاه الشهداء تمتد إلى أسرهم وذويهم ، وفي هذا السياق تأتي الشراكة بين المؤسسة الوطنية للإسكان العسكري ومركز سهام سالم للخدمات الإعلامية والصحفية باعتبارها خطوة مهمة نحو توثيق هذه الجهود وإبرازها للرأي العام وتعزيز التواصل مع المؤسسات والجهات الداعمة وتوسيع دائرة التعريف بمشروعات الإسكان العسكري وأهدافها الإنسانية والاجتماعي و أن الإعلام شريك في توثيق الإنجاز وصناعة الوعي وإبراز قصص الوفاء والعطاء ،وما تقوم به المؤسسة من مشروعات يحتاج إلى إعلام يقرأ ما وراء المباني ويقدم للناس المعنى الحقيقي لهذه المشروعات ،معنى الاستقرار والكرامة والوفاء والاعتراف بتضحيات الذين جعلوا أمن الوطن وسلامته أولوية فوق كل اعتبار
إن تجربة المؤسسة الوطنية للإسكان العسكري في السودان تذكرنا بأن بناء الجيوش لا يكتمل بالتدريب والتسليح وحدهما بل يحتاج إلى رعاية اجتماعية واقتصادية وإنسانية وأن الاهتمام بالجندي هو اهتمام بالمؤسسة العسكرية نفسهاوبقدرتها على أداء واجبها الوطني
فمن الكوفة التي احتضنت جند الدولة الإسلامية، إلى مجمع النصر الذي يحتضن أسر العسكريين في السودان، تبقى الحقيقة واحدة: الجيوش تُبنى بالسلاح، لكنها تستمد قوتها أيضاً من الاستقرار، ويُصنع النصر في الميدان، ويكتمل معناه حين يجد الجندي وأسرته بيتاً آمناً، وحين تجد أسرة الشهيد وطناً لا ينسى تضحياته وأن تضحياتهم ستظل محفوظة في ذاكرة الوطن ووجدانه .

