تقاريرثقافة وفنونمعرض الصور

عبد العزيز المبارك.. صوت استثنائي وأناقة صنعتا حضوراً خالداً في ذاكرة الغناء السوداني

 

 

 

مختار دفع الله: عبد العزيز المبارك أحد سفراء الأغنية السودانية في أوروبا وشرق أفريقيا

 

 

حي الأمراء/ خالد الفكي

 

وصف الأمين العام لمركز الفضاء العالمي للثقافة والإعلام، الشاعر مختار دفع الله، الفنان الراحل عبد العزيز المبارك بأنه أحد أبرز سفراء الأغنية السودانية في الخارج، مشيداً بإسهاماته في إثراء الساحة الفنية، وبقدرته على إيصال الأغنية السودانية إلى جماهير واسعة في أوروبا وشرق أفريقيا.

 

وقال دفع الله، خلال حديثه في فعالية «منتدي الرواد»، التي ينظمها المركز أسبوعياً كل يوم سبت، إن المبارك استطاع أن يكوّن قاعدة جماهيرية في عدد من الدول الأوروبية، من بينها ألمانيا وبريطانيا وهولندا، مشيراً إلى انتشار أعماله الغنائية وسط قطاعات من الجمهور هناك.

وأضاف أن حضور الفنان امتد إلى شرق أفريقيا، حيث حظي بمتابعة جماهيرية في إريتريا وإثيوبيا والصومال وجيبوتي، معتبراً أن هذه المكانة تعكس قدرة الأغنية السودانية على تجاوز الحدود الجغرافية والثقافية والوصول إلى وجدان شعوب المنطقة.

 

وأكد دفع الله أن تجربة عبد العزيز المبارك تمثل إضافة مهمة لمسيرة الغناء السوداني، وامتداداً لإبداع أجيال من الرواد الذين أسهموا في تشكيل الوجدان الفني، من بينهم أحمد المصطفى، وسيد خليفة، وعثمان حسين، وعبد الحميد يوسف، والتاج مصطفى، وصلاح ابن البادية، وصلاح مصطفى، إلى جانب رموز أخرى صنعت تاريخ الأغنية السودانية.

 

هذا وتغني خلال المنتدي كل من الفنانين عصام محمد نور، والخير وعدد من الواعدين الشباب بأغنيات وروائع  الراحل المقيم عبدالعزيز المبارك.

 

أناقة الحضور

 

لم يكن عبد العزيز المبارك مجرد مطرب امتلك صوتاً عذباً، وإنما فنان جمع بين الغناء والتلحين، وتميز بأناقة لافتة وأسلوب راقٍ وحضور خاص، جعل منه واحداً من الوجوه المميزة في تاريخ الأغنية السودانية.

 

وعبر أعمال غنائية رسخت في ذاكرة المستمعين، من بينها «بتقولي لا»، و«أحلى عيون»، و«صابحني دائماً مبتسم»، و«تحرمني منك»، استطاع المبارك أن يصنع لنفسه مساحة فنية خاصة، وأن يجمع بين الرومانسية وعذوبة الأداء وجمال الألحان، في مسيرة بدأت من مدينة ود مدني، وامتدت إلى الإذاعة والتلفزيون والمنابر الفنية داخل السودان وخارجه.

من ود مدني إلى أم درمان

 

وُلد عبد العزيز المبارك عام 1951 في حي العشير بمدينة ود مدني، بولاية الجزيرة. وينتمي والده، المبارك حامد الحبر، إلى مدينة العيلفون، فيما كانت والدته الحاجة آمنة بنت القطيرة.

 

وتلقى تعليمه العام بمراحله المختلفة في ود مدني، حيث بدأت موهبته الفنية في الظهور مبكراً، من خلال تلحين الأناشيد المدرسية والمشاركة بالغناء في المناسبات الاجتماعية.

 

وتعلم العزف على آلة العود على يد صديقه وزميل دراسته الفنان علي السقيد، وبدأ خطواته الفنية متأثراً بعدد من أعلام الغناء السوداني، من بينهم عثمان حسين، وعبد الكريم الكابلي، ومحمد وردي، والطيب عبد الله، وثنائي العاصمة، وعبد العزيز محمد داوود، وزيدان إبراهيم.

 

كما تأثر بالمدائح النبوية والأناشيد الدينية، في ظل بيئة أسرية كان لوالده فيها حضور صوفي مرتبط بالطريقة الختمية.

وبتشجيع من أصدقائه وأقاربه، انتقل إلى الخرطوم بحثاً عن فرصة لتطوير موهبته، وتقدم إلى لجنة النصوص بالإذاعة السودانية في أم درمان بأغنية «ليه يا قلبي ليه»، غير أن اللجنة لم تجز كلماتها، رغم إعجابها بصوته.

 

ولم يثنه ذلك عن مواصلة المحاولة؛ إذ عاد إلى الاختبار، وتمكن من إجازة أغنية للفنان التاج مكي، قبل أن يُعتمد مطرباً وملحناً بالإذاعة السودانية في أغسطس 1974، لتبدأ مرحلة جديدة في مسيرته الفنية.

 

وشهدت بداياته تعاوناً مع عدد من الفنانين، من بينهم الراحل الطيب عبد الله، الذي قدم له أغنية «طريق الشوق»، قبل أن تتشكل ملامح تجربته الخاصة عبر أعماله الغنائية اللاحقة.

 

تجربة فنية متكاملة

 

لم يكتفِ المبارك بموهبته الغنائية، بل سعى إلى تطوير قدراته بالتأهيل الأكاديمي، فالتحق بمعهد الموسيقى والمسرح، ودرس مادتي الصوت والبيانو لمدة ثلاث سنوات.

 

وبدأ حياته المهنية بوزارة الثقافة والإعلام في ود مدني، قبل أن ينتقل إلى المملكة العربية السعودية، حيث عمل في مدينة جدة نحو عشر سنوات، في مرحلة شكلت جانباً مهماً من تجربته الحياتية والفنية.

 

وخلال مشواره، قدم المبارك مجموعة من الأغنيات التي رسخت حضوره في الذاكرة السودانية، من بينها «بتقولي لا»، من كلمات عثمان خالد وألحان الموسيقار الفاتح كسلاوي، و«أحلى عيون»، و«تحرمني منك»، و«يا عسل»، و«صابحني دائماً مبتسم»، و«ما كنت عارف»، و«يا مري ببيتنا»، و«عفراء الحلوة».

وتظل «بتقولي لا» واحدة من أبرز محطاته الغنائية، لما تميزت به من عذوبة اللحن وجمال المفردة العاطفية، فضلاً عن قدرتها على ملامسة الوجدان واستمرار حضورها في ذاكرة أجيال من المستمعين.

 

حدود المسرح

 

لم تقتصر خصوصية عبد العزيز المبارك على صوته وأعماله، بل امتدت إلى أناقته وهندامه وثقته بنفسه، وهي سمات جعلت حضوره مختلفاً على خشبة المسرح وخارجها.

 

ومن الشواهد اللافتة على حضوره خارج السودان، استضافته عام 1986 في برنامج «Good Morning Africa» التابع للقسم الإنجليزي بهيئة الإذاعة البريطانية (BBC)، حيث أبدت مقدمة البرنامج إعجابها بأناقته ومظهره، قبل أن يقدم للمستمعين أغنيته الشهيرة «صابحني دائماً مبتسم».

ويستعيد أحد متابعي اللقاء تلك اللحظة بوصفها مشهداً للاعتزاز بالفنان السوداني، الذي قدم صوته وثقافته إلى جمهور إذاعي دولي، وترك انطباعاً تجاوز حدود الأداء الغنائي إلى صورة الفنان السوداني وأناقة حضوره.

 

إرث فني لا يغيب

 

ورغم رحيله عام 2020، لا تزال أغنيات عبد العزيز المبارك حاضرة في الذاكرة الفنية السودانية، بما تحمله من خصوصية لحنية وأداء مميز وتجربة جمعت بين الموهبة والتأهيل والاجتهاد.

 

وفي حياته الخاصة، تزوج الراحل الأستاذة منى خضر، ثم السيدة مها عبد القادر عثمان، ورُزق بتوأم هما منية وأمل. ومن المعلومات التي تستحق التوضيح أن الموسيقار أحمد المبارك لم يكن شقيقه، وإنما كان خاله.

 

إن استعادة تجربة عبد العزيز المبارك لا تقتصر على استذكار فنان رحل، بل تمثل احتفاءً بمرحلة مهمة من تاريخ الأغنية السودانية، وبصوت استطاع أن يجمع بين الرومانسية والأصالة، وأن يجعل من أناقته وأسلوبه الفني علامة مميزة في مسيرته.

لقد غاب عبد العزيز المبارك جسداً، لكن أغنياته بقيت شاهدة على تجربة فنية تركت بصمتها في وجدان السودانيين، وأكدت أن الفنان الحقيقي لا تقاس حياته الفنية بسنوات عمره، بل بما يتركه من إبداع في ذاكرة الناس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوي محمي