التأمين الصحي.. رافعة التعافي والتنمية

من حروفي
بقلم/ خالد الفكي
لم تعد خدمات التأمين الصحي في السودان مجرد مظلة علاجية توفر الدواء والرعاية الطبية للمشتركين، بل أصبحت ضرورة اجتماعية واقتصادية، وأحد المرتكزات الأساسية لحماية المجتمع من تداعيات الحرب والتضخم وتراجع الدخول وارتفاع تكاليف العلاج. وفي ظل هذه الظروف، تبرز أهمية الصندوق القومي للتأمين الصحي بوصفه مؤسسة تضامنية تتجاوز وظيفتها تقديم الخدمة الطبية إلى الإسهام في تحقيق العدالة الاجتماعية، وتخفيف الأعباء المعيشية، وتعزيز الاستقرار المجتمعي.
إن وصول خدمات الصندوق إلى نحو 2700 مرفق صحي، رغم ظروف الحرب، موزعة على 120 محلية و335 وحدة إدارية، يعكس اتساع شبكة التغطية الصحية وأهمية الدور الذي يضطلع به في بلد تتزايد فيه الاحتياجات الطبية وتتراجع فيه قدرة قطاعات واسعة من المواطنين على تحمل نفقات العلاج. وهذه الأرقام، على أهميتها، ينبغي ألا تُقرأ باعتبارها مؤشرات انتشار جغرافي فحسب، وإنما باعتبارها قاعدة يمكن البناء عليها لتوسيع مظلة الحماية الصحية، وتحقيق وصول أكثر عدالة للخدمات.
وتكمن القيمة الاستراتيجية للتأمين الصحي في قدرته على تحويل العلاج من عبء فردي تتحمله الأسرة إلى مسؤولية تضامنية تتقاسمها قاعدة واسعة من المشتركين، وفق مبدأ التكافل وتوزيع المخاطر. فالمواطن الذي يواجه تدهوراً في دخله أو فقداناً لمصدر رزقه لا ينبغي أن يجد نفسه أمام خيار قاسٍ بين توفير احتياجات أسرته الأساسية والحصول على العلاج.
ومن هنا، فإن استدامة الصندوق ليست قضية إدارية أو مالية تخص المؤسسة وحدها، بل قضية تنمية اجتماعية وأمن مجتمعي. فالصحة ترتبط مباشرة بالإنتاج، والاستقرار الأسري، والقدرة على العمل، وتقليل معدلات الفقر. وكلما اتسعت مظلة التأمين الصحي، تراجعت احتمالات انزلاق الأسر إلى الفقر بسبب النفقات الطبية الطارئة.
غير أن التحدي الأكبر يتمثل في الحفاظ على التوازن بين تكلفة تقديم الخدمة والقدرة الحقيقية للمواطن على سداد الاشتراكات، خصوصاً في ظل التضخم وتآكل القيمة الشرائية للعملة. ولذلك تكتسب الدراسة الاكتوارية أهمية خاصة في تحديد اشتراكات واقعية، تضمن استمرارية الصندوق دون تحميل المواطنين أعباء تفوق طاقتهم، مع ضرورة تنويع مصادر التمويل وتعزيز مساهمة الدولة والشركاء.
كما أن توحيد منظومة التأمين الصحي وتوسيع قاعدة المشتركين يمثلان مدخلاً مهماً لتقوية التمويل وتوزيع المخاطر بعدالة بين الولايات، بعيداً عن التجزئة والاختلالات المؤسسية. ويظل دعم المناطق المتأثرة بالحرب، وإعادة تأهيل المرافق، وتوسيع الشراكات مع المجتمعات المحلية والمنظمات، من الأولويات التي ينبغي أن تتقدم على غيرها.
واعتقد إن الرهان الحقيقي أمام الصندوق القومي للتأمين الصحي لا يقتصر على استعادة ما دمرته الحرب، بل يتجاوز ذلك إلى بناء منظومة صحية أكثر كفاءة وعدالة وقدرة على الصمود أمام الأزمات. فالتأمين الصحي ليس امتيازاً لفئة دون أخرى، وإنما حق اجتماعي وأداة لتحقيق التوازن المجتمعي.
وظون شك فإن الاستثمار في استدامة التأمين الصحي هو استثمار في الإنسان السوداني، وفي قدرة المجتمع على التعافي، وفي تأسيس تنمية لا تترك الفئات الأكثر هشاشة رهينة للفقر والمرض.

