حوارات ومقالات

الابتزاز السياسي… يسألونك عن الإسلاميين

 

 

كبسولة اليوم

 

مجدي عبد القيوم (كنب)

 

 

«ماذا أقول فيه، وقد سبقني الله إليه، فقَبَّح منظره، ووحَّش مخبره؟ وهل تروني إذا قلتُ إلا سارقًا من ربي، متكلفًا عما قد كفاني؟»

الشاعر أبو نواس

يلجأ بعض السياسيين إلى الابتزاز السياسي، ومواجهة الحجة بمثلها، وحشد جملة من النعوت والصفات لإلصاقها بمخالفيهم في الرأي. وفي أحسن الأحوال، يقولون إن هذا هو نفسه كلام الإسلاميين، أو إن موقفك يتطابق تمامًا مع موقفهم. وهي حيلة تنم عن العجز عن مقارعة الحجة، وطريقة للهروب إلى الأمام، فرارًا من المنطق الموضوعي.

يباغتك هؤلاء بالسؤال: لماذا لا تنتقد الإسلاميين؟ ولماذا يقتصر نقدك الحاد على القوى المدنية؟ مع أنهم يدركون أن القوى المدنية ليست فوق النقد، وأنها قطعًا ليست مبرأة من العيوب، شأنها في ذلك شأن أي قوى فاعلة في المشهد السياسي. كما يعلمون جيدًا أن النقد ينصب على موقف سياسي بعينه، ولا يُعمَّم على قوى لم يرد ذكرها في سياق النقاش.

ولا تقتصر هذه العقليات على النشطاء المراهقين سياسيًا، ممن ينساقون وراء الشعارات أو يجادلون بلا مرجعية نظرية في الموضوع محل النقاش؛ فهؤلاء لا تثريب عليهم، طالما أنهم لم يبلغوا الرشد السياسي بعد، بل تشمل أيضًا سياسيين أصحاب تجارب يفترض أن تجعلهم أكثر موضوعية في قضايا الحوار والنقاش. وهؤلاء هم من نعنيهم.

الابتزاز السياسي أداة العاجز الذي يفتقر إلى المنطق والحجة. وهو، قطعًا، سلوك لا يؤثر سلبًا في من يمتلك أدواته، ولا يدفعه إلى الانكماش في مواقفه، بل يزيده إصرارًا على تعرية أي موقف سياسي يراه جديرًا بالنقد وكشف عيوبه.

كثيرًا ما يقفز أحد هؤلاء بالسؤال: لماذا لا يُركَّز النقد على الإسلاميين، باعتبار أنهم، حسب رأيه، سبب كل الكوارث التي حاقت بالبلاد وشعبها؟ ومع أن هذا القول غير دقيق، فإن هناك أطرافًا أخرى في المشهد ارتكبت كثيرًا من الأخطاء، وأسهمت في إدخال البلاد في هذا النفق.

صدرنا هذا المقال بمقولة منسوبة إلى الشاعر الكبير أبي نواس، ومناسبتها أن متشاعرًا هجاه بغية البحث عن الشهرة، باعتبار أن أبا نواس كان يتربع آنذاك على عرش الشعر، حتى تقول العرب: هذا هو الذي هجا أبا نواس.

ولم يُعره أبو نواس التفاتًا، باعتبار أن قصيدة الهجاء ركيكة، لا ترقى إلى مستوى ما يُكتب من الشعر، علاوة على أن كاتبها متشاعر لا يمتلك موهبة قرض الشعر.

وتقول الحكاية إن أصدقاء أبي نواس ألحّوا عليه أن يرد، لكنه رفض بشكل قاطع، رغم محاولاتهم الدؤوبة، قائلين له: «حتى لا تقول العرب إنه قد أفحمك». لكنه لم يرضخ لاستفزازهم.

وكان ذلك المتشاعر مشهورًا بقبحه الشديد ودمامته، ولم يلتقه أبو نواس وجهًا لوجه، وإنما كان يسمع عنه. وذات يوم، بينما كان مجلس أبي نواس محتشدًا، كعادته، بالندماء وفطاحلة الشعراء، إذا بذلك المتشاعر، قبيح الوجه، يدخل المجلس بلا استئذان. فقال الندماء لأبي نواس: هذا هو الذي هجاك. فنظر إليه، وقال ساخرًا تلك المقولة التي صدرنا بها هذه الكبسولة.

وفي ردنا على هؤلاء الذين يمارسون الابتزاز السياسي ويعيبون علينا عدم التركيز على نقد الإسلاميين، نؤكد أن ذلك غير صحيح، سواء في الوقت الراهن أو حتى إبان حكم الإنقاذ، حين كانت الكتابة، بل حتى الترويج لها، قد يقودان صاحبهما إلى ما وراء الشمس.

في ذلك الزمان الغيهب، لم يكن كثيرون ممن يمارسون الابتزاز السياسي اليوم يتجرؤون حتى على «طق الحنك» في نقد الإسلاميين، دعك من الجهر بالقول؛ في حين كنا، مثل كثيرين غيرنا، لا نكتفي بالنقد فحسب، بل ننخرط في كل نشاط كان من الممكن أن يقود صاحبه، في ذلك العهد الغيهب، إلى الدار الآخرة.

لذلك، لا أحد بإمكانه المزايدة على مواقفنا، لا سيما أولئك الذين كانوا يمشون «تحت الحيطة»، أو يجلسون تحت المظلة، على حد تعبير الأديب الكبير نجيب محفوظ.

وفي الرد على هؤلاء، نتمثل المقولة البالغة الدلالة للشاعر الكبير، ونقول إن الشعب السوداني لم يُحوج أي مشتغل بالسياسة إلى نقد تجربة الإسلاميين السابقة، أو مواقف بعض تياراتهم حاليًا؛ فقد أطاح بدولتهم ونظامهم، ورمى بهما في سلة مهملات التاريخ، في ثورته المجيدة، وليس ثمة حكم أقسى من هذا.

ومع ذلك، سنظل نفضح كل موقف مخزٍ، ونعرّي كل سياسي أو تنظيم باع موقفه في مزادات بيع الأوطان، أيًّا كان ذلك التنظيم أو الشخص. ومرشدنا في ذلك هو الضمير الوطني الحي؛ فلا ترهبنا فزّاعات، ولا خيالات المآته، ولا تغرينا المغريات حتى نحيد عن مواقفنا.

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوي محمي