غيث البركات.. عطاء بلا أجندة

كتب/ محمد عبد الله الشيخ
نصف رأي
يقع ديوان الزكاة في وجدان الناس موقع الأمل والرجاء، ويبقى مبتدأ كل حدث ومنتهى كل حديث، ومفتاحًا لما أُغلق، وفرجًا لما يُقلق. استودعه الأغنياء أموالهم، واستودعه الفقراء آمالهم، ففعل رجال الديوان ونساؤه الشامخات بالأموال ما أرضى المستودعين؛ فكان كالأرض الأمينة التي أنبتت خيرًا، حتى في زمن الجدب الذي أتى على كثير من أخضر الحياة بفعل المليشيا. لكن الزكاة كانت استثناءً؛ فبحسن النوايا وصدق الطوايا، ضاعف الله العطاء كما وعد، وبارك في المُدّ والصاع.
وكانت عبقرية العقل الإداري في نجاعة الحلول، فمضى ديوان الزكاة يدبّر أمر الفقراء، ويحتوي إفرازات الحرب اللعينة، ويعمل رجاله جاهدين على تخفيف حدة ارتداداتها؛ خشية تصدّع المجتمع، وانكسار الرجال، ووقوع النساء في الفتنة. فوفّر الديوان للنازحين المأوى والمطعم والدواء، وكان ذلك حين استفرغت الخرطوم ثقلها الاقتصادي، ونضب معين مواردها، وغابت عنها مؤسسات الدولة.
وبقي غزالي في الخرطوم، مع قلة من رجال الواجب من زملائه، صامدين في كرري كصمود جبالها، إلى جوار الوالي الهمام أحمد عثمان حمزة. وكانت مدينة، أمينة الزكاة، كما شهد لها الوالي، محاصرة في الحاج يوسف، يحدق بها الخطر، فأنابت عنها في تلك الأيام الحرجة الأستاذ عبد الله خالد، إلى أن قيّض الله لمدينة الخروج إلى كسلا، واللحاق بركب الأمانة العامة هناك.
وكان الفتح الأكبر بالتنسيق مع الأمانة العامة، التي أحسنت القِرى وأجزلت العطاء للخرطوم. فبدأت مدينة، مع نفر قليل، تطرق أبواب الجباية بلا يأس، فتجد الاستجابة، ورويدًا رويدًا اتسع النفاج. وكانت الزكاة، كما شهد والي الخرطوم، أول مؤسسة مدنية تصل بقافلة لإغاثة الخرطوم، وتقديم العون لأهلها وجيشها، وسط دويّ الدانات، وجعجعة المدافع، ومباغتات المسيّرات.
واستمر غيث البركات ببركات السماء يتمدد ويتعدد، حتى انتظمت قوافله لتصل إلى المحطة التي نحن بصددها الآن: «غيث البركات 12». ولم تكن هذه المحطة رقمًا بلا أثر؛ فقد كشفت قصص النجاح ومخرجات النسخ السابقة من البرنامج عن نتائج لافتة، جعلت الأمين العام لديوان الزكاة، الدكتور يحيى أحمد عبد الله القمراوي، يفاخر بتفرّد زكاة الخرطوم، ويتغنّى بقصص نجاحها، ويبدي رضاه عن العاملين فيها، مستحضرًا مسارهم في إخراج الخرطوم من وحل الفقر، عبر طريق زلق ووعر، إلى بر الأمان.
ولا تزال الخرطوم تفقد جلّ مواردها، لكن الله يضاعف العطاء لمن يشاء. فقد تجاوز عطاء زكاة الخرطوم في برنامج «غيث البركات 12» ما قُدّر لها ضمن ربط الجباية الكلية للعام، والبالغ 11 مليار جنيه؛ إذ بلغت جبايتها 27 مليار جنيه، انداح منها العطاء في البرنامج الحالي، كما عدّدت وحدّدت الأستاذة مدينة علي محمد، أمينة زكاة الخرطوم، وهي تستعد لتيمّم وجهها شطر الأمانة العامة، متوسّدة هذا الرصيد من الإنجاز.
وهنا تأتي شهادة والي الخرطوم، أحمد عثمان حمزة، شهادة غير مجروحة في حقها وحق الزكاة، وما يُعقد عليها من آمال، وما يُخطط لها في المستقبل لتؤدي دورًا أبرز في حياة الناس. ويبادله وزير الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية، الأستاذ معتصم أحمد صالح، سردية الغزل والأمل في الزكاة عمومًا، وفي تفرّد زكاة الخرطوم في «غيث البركات» خصوصًا، مستشهدًا بقصص نجاح مشروعاته، وتعدد مسارات إخراج الناس من الفقر، وسعة العطاء الذي شمل خلاوي القرآن، مظنّة الخير والبركة، ومصدر الرحمة المهداة والنعم المسجاة.
كان يوم الاحتفال بـ«غيث البركات» في الساحة الخضراء يومًا حافلًا بالدلالات والبشارات، وإيذانًا للناس باكتمال مسيرة عودة الخرطوم، وعودة مؤسسات الدولة إلى أداء واجبها وممارسة دورها تجاه المجتمع.
ويريد المعتصم أن يعيد فتح الخرطوم وإعمار حياتها، كما فتح المعتصم عمورية استجابةً لاستغاثة امرأة. وينهض المعتصم ود أحمد من بلد إلى بلد، يتقدمه جيش الحماية بقيادة القمراوي، قائد الفريق، ليمسك ديوان الزكاة بزمام القيادة في تنسيق جهود مؤسسات الحماية، بلا أجندة خفية، وهي: الزكاة، وصندوق الأمان، ومكافحة الفقر، ومصرف الادخار، والتأمين الصحي؛ لتتآزر هذه الحزم من أجل التمكين الاقتصادي للفقراء، عبر أسس عادلة وشفافة.
هكذا يُحسن ديوان الزكاة أداء دوره في هذه المرحلة الحرجة من عمر البلاد، ويتمسّك بمفاتيح الحلول لما استعصى وعظم من مشكلات المجتمع جراء إفرازات الحرب، سعيًا إلى التعافي، وصولًا إلى مجتمع الكفاية والعدل.
هذا ما لديّ، والرأي لكم.

