مشروع العطش وتجارة المياه

نصف رأي
كتب/ محمد عبدالله الشيخ
حتى لا يكون الأمر مبنياً على الثقافة السمعية، فقد قمت بزيارة إلى مشروع الجزيرة، مررت خلالها في طريقي من الخرطوم إلى شمال ووسط الجزيرة، وانتهيت إلى جزء من تفاتيش المناقل، عند مكتبي الملان والفريجاب.
لم يكن أمر العطش الذي وصلت إليه مساحات كبيرة من مشروع الجزيرة أمراً مخفياً، بل هو ملاحظ للمار بالطريق، هذا غير ما يجهر به أصحاب الوجعة من المزارعين من ألم، بعد أن صرفوا كل ما يدخرون في الزراعة، التي أصابها الكساد بسبب العطش وأشياء أخرى مخفية، لم يستبعد البعض أنها شكل من أشكال الاستهداف.
لم أكتفِ بما شاهدت من وابورات «اللستر» المنتشرة على الترع، لسحب المياه إلى داخل الحواشات، دون أن يستطيع المزارعون توفير الجازولين لتشغيل هذه الوابورات، بعد أن وصل سعر «الباغة» إلى أكثر من 240 ألف جنيه.
لقد قبل المزارعون بظاهرة وابورات «اللستر»، التي أصبحت أمراً طبيعياً في الجزيرة، بديلاً عن أرخص وسيلة ري انسيابي في العالم، لكنها أصبحت فاشلة وعاجزة عن ري الحواشة.
عمدت إلى مقابلة بعض أصحاب المصلحة والوجعة من المزارعين، وكعهدي به، وجدت الأخ عباس الخليل محي الدين، المزارع بتفتيشي الملان والفريجاب، يحمل شكوى مكتوبة في انتظار رفعها إلى الجهات المعنية.
اشتكى عباس بمرارة من العطش وما تسبب فيه من أضرار، بسبب عدم انتظام تدفق المياه وانخفاض المناسيب في الميجر بقنطرة (22) ود الجمل، حيث توقفت المياه تماماً عن ترعة الفريجاب وترعة الكفتة، بفعل فاعل له علاقة بالري، مما زاد الحال سوءاً و أدى إلى احتراق مساحات كبيرة من المحاصيل.
هذا ما أكده عباس وكرره، والكلام على مسؤوليته، من أن رفع الباب والعطش في ترعة الفريجاب وترعة الكفتة تم بواسطة مسؤول بالري. وحتى كتابة هذا المقال، مرت ثلاثة أيام دون أن تدخل قطرة ماء، كما قال عباس، والكلام على مسؤوليته.
ثم تحدثت إلى الأخ عباس عن نتائج الزيارة التي قام بها الدكتور إبراهيم مصطفى، محافظ المشروع، على رأس وفد من الفنيين والإداريين، إلى خزان سنار، لمتابعة انسياب المياه ومعيقاته.
وقال عباس إن الوضع ما زال كما كان عليه، ولم ينتج جديد عن الزيارة، كما أن مناسيب المياه في الميجر لم ترتفع. وأضاف أن زيارة السيد المحافظ كان يجب أن تكون في وقت مبكر، منذ بداية الأزمة، وقبل أن تصل إلى ما وصلت إليه الآن.
وفي حقيقة الأمر، عباس لا يمثل نفسه، فهو قيادي من كبار المزارعين، له اهتمام وعلاقات واسعة وسطهم، وله تجربة كبيرة في الحقل الزراعي، بخباياه وتفاصيله الدقيقة.
وما سمعته من عباس ذهب آخرون إلى أبعد منه، حيث تساءلوا: لماذا التأخير في البحث عن الحل؟ ومعلوم للمسؤولين بالمشروع توقيتات زراعة المحاصيل.
هل ما يجري في مشروع الجزيرة له علاقة بما يجري في البلاد من أزمة اقتصادية تناثرت خيوطها حتى وصلت إلى المشروع؟ هل هو جزء مما يحاط بالبلاد من مؤامرة دولية، أم أنها أزمات منفصلة؟
ومهما كان ما يجري في مشروع الجزيرة منفصلاً أو متصلاً بالوضع العام في البلاد، فإن نتائجه متصلة بالأزمة الاقتصادية، لتزيد من آثارها ومضاعفاتها، ليس على الاقتصاد فحسب، بل على سلامة المجتمع وأمن المزارعين، جراء التنافس على ري حواشاتهم، حيث أصبحت تندلع كثير من المشاكل والمشاجرات بين المزارع وجاره في الحواشة، نسبة لطول مدة السقي للحواشة، التي قد تصل إلى خمسة أيام، كما أفاد الأخوان محمد شريف عبدالقادر وعمر عثمان، المزارعان بالفريجاب والملان.
هكذا، لم تعد مشكلة قلة المياه والعطش في مشروع الجزيرة ذات أثر محدود، بل أصبحت لها علاقة بأمن المجتمع وسلامته.
لكن لا تبدو حلول مشكلة مشروع الجزيرة بذلك التعقيد المخيف؛ فهي أسهل وأيسر في المعالجة. فمهما تطاولت أزمة العطش، تبقى محصورة في إطار إداري وفني محدود، لكنها تحتاج إلى سرعة تسابق الزمن، وإمكانات مالية تتعلق بإصلاح قنوات الري وتأهيلها.
وتعد المشكلة، في مجملها، أول اختبار حقيقي يواجهه مجلس المنتجين المنتخب حديثاً بمشروع الجزيرة.
وما زال التعويل على المجلس، كأصحاب وجعة ومصلحة، لهم إحاطة وإلمام بكل صغيرة وكبيرة من مشاكل ومعيقات مشروع الجزيرة، في أن يضعوا أيديهم في أيدي إدارة المشروع، ويضعوا حداً وحلاً لكل مشاكل الزراعة والمزارعين، بعد أن وضعهم القدر وجاء بهم في هذا الظرف المعقد.
وبالعبور من هذا النفق وتجاوز الأزمة، سيكون الحكم لكم أو عليكم، سعادة الباشمهندس عبدالباقي الإمام وإخوانه.
هذا ما لدي،
والرأي لكم.

